الأربعاء، 13 يناير 2016

unconscious 19

     تلتفت الفتاة لرؤية من يراقبها فيتجمد الآخر بمكانه , لكنه و بصعوبة يرفع يمناه كما لو انه يحمل اثقالاً بها فيرسل إلهيا تحياته فتبتسم الأُخْرَى وتعيدها إليه فتحلوا الحياة من جانبه وتختفى الاخرى بين الناس , وفجأة يتوقف الجميع عن الحركة كما لو ان الزمن انتهى فى تلك اللحظة , وبحركة سريعة للخلف يعود كلٌ إلى مكانه منذ البداية ويتكرر ما حدث ؛ تنظر إليه , يلوح لها , تبتسم , تلوح , يبتهج ثم تغادر ويتوقف كل شىء ويعود مجدداً للحظة إلتفاتها ويتكرر الامر مراراً حتى علا هذا الصوت فى المكان:

-كَفَى!!!

صاح به عباس:

-ماذا بك يا ليث ؟ احاول النوم هُنا , الا يكفينى هذا المشهد المتكرر ,والآن انت !

-ولم نحن مجبرون على المشاهدة؟!

ثم نظر ليث إلى تامر الذى ظلت الابتسامة على وجهه طيلة تلك المدة وقال:

-هل لأنه هو فقط من يريد؟

ثم نظر لى بينما اتأمل العقد الذى وجدته والتطابق الواضح بينه وبين الذى تضعه الفتاة على رقبتها و قال:

-رائد , افعل شىءً , لقد اصبح الوضع لا يُحتمل . . . 
-لا تقلق , فلدى ما افعله.

      ها انا الآن بداخل غرفة الذاكرة , ها هو تامر يستعرض حدثاً أَحَبَهْ , وها هى فرصتى لتجربة هذا المكان , فقط فكر فى ما تريد مِنْ ثَمَّ شاهده على الشاشة , اين وضعت هاتفى النقال؟؟؟؟

      وفى تلك اللحظة تحولت الشاشة إلى اللون الاسود , كما لو انها انطفأت فجأة ليتنفس ليث الصعداء فرحًا , فسألت النادر الذى بجانبى عَمَّا حدث ليبدأ فى الضحك ثم يقول:

-هههههههههههه , هل حقاً تخيلت الامر بتلك البساطة؟! تَخيُل اى شىء فتظهر لك الشاشة المشهد بكل سهولة ويسر! 

-لقد عرضت الشاشة مواقف حدثت لى منذ اعوام كما انها عرضت ما حدث بالظهيرة اليوم وتعجز عن الإتيان بما هو منذ بضع ساعات؟

-عزيزى رائد , ليس الامر كما تتخيل , فتلك الامور التى ذكرتها منذ قليل احتفظت بها الذاكرة , وشاشة العرض التى امامك كل ما فعلته هو إستدعاء لتلك اللحظات , لكن عندما قامت بفعل ذلك مع إحدى اللحظات الغير محفوظة.....

-هذا ما حدث....

-تحديداً....

-فى هذه الحالة , سأتذكر شىءً آخر. . . .



   "البداية" , اللحظة التى جمعتنى ببقية مشاعرى , اللحظة التى بدأ بها كل شىء , اول مرة جئت فيها إلى هذا المكان , اتذكر هذه اللحظة جيداً , بالتأكيد ستظهر على الشاشة . . . .

     لكن لم يحدث شىء , الشاشة السوداء لم تتغير , نادر مازال يضحك:

-ههههههههههههههه مجدداً ؟!

-دائماً تتحدث متأخراً , ما المشكلة الآن؟

-فى المرات السابقة عندما بدأت فى تخيل اشياءٍ حدثت لك فى الواقع , اى انها لم تحدث داخل هذا المكان , تطلب الامر تذكرها منك فقط , لكن هذا العالم مختلف , فلو اردت إستدعاء حدثٍ معين ؛ يجب على جميع من عاش هذا الحدث بالحضور , لكن انظر حولك , ينقصنا العديد من الافراد لإستدعاء هذا الحدث , ارنى الآن كيف ستجمعهم . . .

       نظرت إليه ببرود بينما اظهر الزر الاحمر الذى يطلق الإنذار بالمكان فيجتمع العديد من الافراد داخل القاعة مستفسرين سبب الدعوة فأخبرهم بأمر تلك الغرفة واننى ارغب بتجربتها بتذكر اول اجتماع لنا داخل القاعة , لكن الشاشة لم تبدأ بالعمل اى ان العدد لم يكتمل بعد , ها هو بهاء يدخل إلى القاعة يتبعه العديد من الاشخاص , لكن اين فضولى؟ لِمَ لَمْ يحضر بعد ! فى مثل هذه الاوقات يكون اول الحاضرين؟؟!!

     فجأة فُتِحَ الباب ببطء , عمَّ البرود المرعب ارجاء المكان ,احسست بشىءٍ غريب , تسارعت ضربات قلبى بشدة , التوتر الحاد يسيطر عَلَىْ , قطرات العرق تداعب وجهي , تلك الخطوات الباردة التى تخص هذا القادم من بعيد , لم استطع رؤية تفاصيل وجهه لكن من الصعب ألا تلاحظ تلك العيون التى تلمع وسط هذا الظلام المحيط به , وعلى غير المتوقع فإن شاشة العرض بدأت بالعمل واظهرت بداية الحَدَث . . . .

                          *      *      *      *      *      *     


"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . . السلام عليكم ورحمة الله" 

استلقيت على السجادة بينما اتأمل القبة ذات الطوب الأحمر التى لم تكتمل بعد والتى تبعث بالطمأنينة فى الجسد وتجلب الراحة النفسية بمجرد النظر إليها ثم قمت بإعادة استرجاع ذكريات اليوم بطريقة عشوائية وكانت كالآتى ؛ لافتة زرقاء تقول "مرحبا بك فى الفيوم" , الكثير من الأراضي الزراعية , تعجب الفلاحين من بشرتى السمراء كونهم لا يعلمون بمحافظة تُدعى اسوان فى جنوب مِصر , "كيف اذهب إلى الجامعة؟" , "الحافلة رقم 6" , "اين دار العلوم؟" , "البوابة الاخرى اقرب للكلية" , شئون الطلبة : "اختبارات القبول ستبدأ يوم الاحد القادم لكن اذهب إلى المحاضرة الآن" .  .  .  . "سيبويه" قاعة كبيرة متدرجة الصفوف تم تسميتهاعلى اسم إمام النحاه, يجلس الطلاب بشكلٍ عشوائى , لا مانع "للدكتور" بأن ادخل بعده فنحن فى بداية السنة , نظرات التعجب المشابهة إلى هذا السائح الذى ارتاد كُليتهم , احد الصفوف فارغ اى لا بأس بالجلوس به ,  مازالوا ينظرون إلَىْ كما لو كنت تنيناَ مجنحاً بثلاثة رُءوس ينفث اليورانيوم المشع ولدى فأس حاد فى نهاية الذيل يقطع اى شىء , تحدثت مع من بجانبى كي أكسر هذه القاعدة وابدأ فى تكوين الصداقات , فلا بأس فى ان ادعه يمثل دور الزكى مؤقتاً فأنا فى حاجة إليه لبعض الوقت "إن كان ليك عند الكلب حاجة!" ,بعد ذلك  يتعجب كون اجادتى العربية ثم ابدأ فى إجابة الثلاثة اسألة التى تحير الجميع هُنا ؛ لا بل من اسوان , لا بل اسكن بالجيزة ,المجموع ..... 

     وبعد انتهاء المحاضرات قررت المغادرة فلقد وجدت بأنه لا شىء افعله فى الجامعة , "الحافلة رقم 6 تعود من حيث اقبلت" هكذا قال لى اول صديق بالجامعة ,  موقف الحافلات المُسافرة ليس بِبعيد , هذا الذى يهتف "مونياب , ريماية , ماشعال" هو الاقرب إلى المنزل , استقليت الحافلة ثم استلقيت على الكرسى معاتباً من جاء بى إلى هنا...... 
_____________________________________

سحقاً لكن ايتها الإناث...اتمنى الذهاب بعيداً عن المنكر....
قاطعنى هذا الصوت الغريب ليقول: "لك ما اردت"
.
"بهاء" .. يحقق الامانى.
_____________________________________

-الفيوم! عندما اطلب الذهاب بعيداً عن المنكر ؛ تُلقى بى فى الفيوم؟
رد بهاء الذى قل ما سمعتُ صوته:
-انت من طلب ذلك.....

       تجاهلت امر تلك الامنية فقد ادهشنى ما حدث بالامس , فالجميع يعلم ما حدث بأول يوم ؛ الفتاة التى ظهرت على الشاشة , الخلاف المعتاد بين تامر وليث , فضولى الذى يسأل كثيراً , بالمناسبة اين هو؟ وكيف بدأت تلك الذكرى الغريبة بدون حضوره ....

      ادرت مقبض الباب الخاص بغرفة الذاكرة ثم ولجت إليها من اجل استرجاع اول اجتماع تم عقده , بدأ عرض الذاكرة بدون حضور احدٍ غيرى , مكان ملىءٌ بأشخاص لديهم وجوهٌ مألوفة ؛ فهذا عباس الذي ينام -كالعادة- وهذا الذي يقول " لكل قرارٍ نتيجة " فهو بهاء بالإضافة إلى هذا المشهد الغريب الذي يجمع بين اثنيْن يتبادلان الحديث الودّي فيما بينهما مما جعلني انظر إليهم بتعجب لأنه من المستحيل أنْ يجتمع ليث مع تامر في حديثٍ ودّي ابدًا , كانا يتحدثان عن شخصٍ يدعي شادي وانه سوف يحضر ايضًا لكن كيف لهما ان يكونا معًا , ومع توجه الجميع إلى غرفة الاجتماعات رأيت احدهم يجلس بالقرب من القاعة وينظر إليهم ولا يقترب معهم , لأجد نفسي متوجها إليه وأسأله عن سبب عدم حضوره فيقول:

-من الافضل الا اتطفل على الجميع واصبح عبءً عليهم , فأنا لن اتحدث و وجودي لن يضيف شيءً . . . . 

فأجيبه بإبتسامة تبعث الثقة في نفسه:

-بل بقائُك بالخارج مضيعة للوقت , لن اطلب منك الحديث لكن ربما نحتاجك بالداخل . . . .

اتجهت عيناه للاسفل مفكرًا للحظات ثم قام من مكانه ليتوجه إلى الغرفة معي حيث جلست بالقرب من هذا الشخص الذي بدى مختلفًا عما عهدته من قبل فيدخل بعض الحضور من بينهم عادل واخيرًا صاحب العينين اللامعتين فأتوجه إلى من بجانبي فأقول له:
-لقد حضر الجميع , يمكننا ان نبدأ الاجتماع الآن يا رائد . . . .

       وفجأة انطفأت الشاشة عن العمل تاركةً اياي مع العديد من التساؤلات ؛ كيف اقول لي ان اناديه برائد في حين ان رائد هو انا ؟ من هذا الشخص الذي صاحب تلك العيون؟ ولم بدأت الذاكرة في العمل مع دخوله في المرةالسباقة؟ ولم بدأت في العمل الآن مع انني وحدي في المكان؟

"انطفأت مجددًا" قاطعني بها نادر فأمنحه نظرات التعجب واقول:

-منذ متى وانت هنا؟
-دخلت توًا


-وهل تعرف كيف بدأ عرض هذه الذاكرة مع ان من بها ليسوا بالقاعة؟

- بالطبع , فعند بدأ احدى الذكريات الخاصة بهذا العالم في هذه الغرفة ورؤيتها من قبل الباقين فأنها تصبح جزءً خاصًا بهم ويمكنهم مشاهدتها لاحقًا كما فعلت انت , لكن لا اعلم لم توقفت عند دخول عادل؟

-انا حقًا لا اعلم , لكن مهلاً! اين هو عادل؟

        سؤالٌ كان لابد من طرحه منذ زمنٍ بعيد , مساعدي الخاص الذي كان يرشدني إلى الطريق دائمًا ليس موجود , حضر الجميع في مسابقة الحظ وكانوا موجودين بإستمرار لكنه لم يكن معهم وانا لم الحظ اختفائه إلى الآن , لكن اين ابحث عنه يا ترى؟

ولحسن الحظ كنتُ اعرف اجابة هذا السؤال ؛ لذلك اسرعت بالخروج من المبنى قاصدًا
 تلك الغابات التي بالخلف فأتوجه إلى المكان الذي رأيت به تلك الاعين اول مرة , توجهت إلى هذا الباب الاشبه بالقفص فأحمد الله لأنه كان بالداخل فأقوم بمناداته والفرحة على وجهي فيبتهج لسماع صوتي وويقول:

-من الجيد انك عثرت عليْ , لقد حُبِستْ لفترة بهذا المكان . . . .

قلت متعجباً:

-ولماذا لا تخرج؟

قال وعلامات الاحباط على وجهه:

-لا يمكن . . . .

-لا تقلق سأخرجك من هنا , فتحته سابقًا وسأفعلها الآن . . . .

-لن تستطيع؟

حاولت فتحه كما فعلت لكنه لا يفتح فأستمريت بالمحاولة وانا اسأله لِمَ؟ فيأتي الجواب من الخلف مع ظهور هذا البرد المرعب الذي يصحبه الظلام دائمًا فيجيبني صاحبه :

-لأنك لم تقفله في المرة الاخيرة . . . .

         التفتت إلى الخلف ببطءٍ شديد بينما ضربات قلبي ليست كذلك , تلك الاعين التي حاولت تجاهلها العديد من المرات ؛ عند الاستيقاظ من النوم وفقد الرؤية بإحدى العينين , في القاعة و في هذا المكان . . . . قولت له:

-ماذا تعني بكلامك؟

-اعني انك قمت بفتحه في المرة السابقة لأنك من اغلقته , لكن هذه المرة انا فعلت . . . .

-ومن تكون انت؟

-هل حقًا لا تتذكرني؟

نظرت إليه محاولاً قول شيءٍ فأقول في نهاية الامر:

-نيجاتيف . . . . .

لكن فجأة احسست بنكزة طويلة في كتفي الايمن جعلت المكان يعم بالظلام فأفتح عيني لأجد من بجانبي يطلب مني الاجرة فأتذكر بأنني مازلت في الحافلة وأن تلك الجولة انتهت . . . .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق