الاثنين، 7 مارس 2016

unconscious 21

       مِنْ أَمتع اللَحظات حينما تكون برفقة مَنْ تُحب , لحظاتٌ تَتَمني لو أنها تدوم مدى الحياة , تتمنى أن يتجمد الزمن في مكانه وتصبحت أسيرًا لهذا التوقيت ولا يوجد قوة على وجه الارض يمكنها تحريرك منه , لكن ما أَنا عليه الآن عكس ذلك تمامًا فأنا الآن أعيش لحظة أتمنى لو لم أَكُنْ بها قط , فأنا الآن أسير هذه اللحظة التي تشبه صعود الحلزون عموديًا فلا هو يتوقف ولا الوقت يتقدم , انا الآن أمشي مع هذا المُدَعي الذي يقول بأنه هو الرائد الحقيقي , بالطبع لم أُصدق كلامه هذا لكنه أردف بأنه أفضل مني وأنني لست من مستواه وأن هدفه اكبر مني بكثير لكنه متحير من جهلي بتلك الأشياء لذلك أقترح بأن نذهب لمن يؤكد كلامه لذلك انطلقنا إلى الجهة الخلفية من المبنى في ذلك المكان الأشبه بالغابة تحديدًا إلى المكان الذي يُحتجز به عادل.....

      نظرت إليه وهو بمكانه هذا وتذكرت انني لم اغلق الباب آخر مرة لكي احرره مما هو عليه ؛ فَكَونُ ان تكون حبيس هذا المكان في هذا العالم يعني انك لن تشارك في اي إجتماع ولن تستطيع ان تتشارك افكارك في حالة الاستيقاظ وهذا ما حدث معه وما يحدث مع عادل الآن :

-هل ما يقوله صحيح؟ هل هو الرائد الحقيقي؟

      قال بعد لحظاتٍ من الصمت :

-بالطبع لا.

      ثم اردف الآخر:

-وهل هو الأحق بهذا اللقب؟

     توجهت نظرات عادل لأسفل وكأنما يخشى الإجابة على هذا السؤال بينما يضيف بعض الصمت إلى المكان فأقول:

-هل تمزح ام ماذا؟ ايوجد من هو افضل!

-لا تتفاخر يا هذا , دعه يروي لنا ما حدث منذ البداية:

     وبعد فترة من الصمت قرر عادل التحدث اخيرًا:

-يرتبط هذا المكان بولادة هذا الجسد الذي نتشاركه جميعًا والذي تتحكم فيه انت الآن . بعض المشاعر كانت موجودة منذ البداية والبعض الآخر يتكون مع مرور الوقت نتيجة للاحداث او للتغيرات الجسدية . كانت الفوضى تعم المكان في البداية إلى أن اتفق الجميع على يكونوا تحت قيادة شخصٍ ما وقد تم تسميته بالـ"رائد" وهذا يعني بأنه من يتخذ القرار في هذا المكان وذلك حسب الطريقة التي يريدها هو , لذلك تم إنشاء غرفة الاجتماعات كما طلب لكنه لم يرد هذا المنصب وتركه لمن يتفق عليه الاغلبية , وفي هذه اللحظة برز اكثر الناس شهرة بالمكان , الاول شخص يتمتع بثقة نفسٍ عالية وشخصية قوية . . . . وهنا ابتسم هذا الشخص لأوقن على الفور ان عادل يقصده . . . . والثاني هو من يقدم يد العون للجميع . . . . اعتقد بأنه بقصدني الآن . . . . اشتعل فتيل الخلاف بين هذين الإثنين و اصبحا يريدان هذه المكانة لكن الرائد آن ذاك اقترح إقامة نزال بينها ليقررا من سيخلفه لكن الاول قام بوضع القواعد لذلك كان من السهل عليه الفوز آنذاك ليصبح هو الرائد , لكنه لم يدم طويلا بسبب غروره الذي لم يحبذه احد فأقترح الرائد الاسبق اعادة النزال فوافق على الامر لأنه كان مرغمًا لكنه اضاف شرطًا إلى النزال ؛ وهو الرابح سيكون الرائد كما هو الهدف منذ البداية والخاسر سوف يحتجز هنا مع من يؤيده اي انه لا يريد ان يزعجه احد من الاساس وألا يتكرر هذا الامر بعد ذلك , لكن هذه المرة ربح الشخص الآخر بمساعدة الرائد الأسبق وتم حبس الآخر في هذا المكان وكما نعلم جميعًا فهذا الباب لا يمكن ان يفتحه إلا من اغلقه لذلك فقد وقع في شر اعماله وتم احتجازه .

     قلت له بتعجب:

-وهل تريد مني ان اصدق هذه الحكاية الطريفة التى ألفتها توًا؟ هذا لا يعقل , فأنا كنت ومازلت رائد وهذه الاشياء التي قلتها لم تحدث أبدًا فأنا لا اتذكر اي شيٍ مما تحدثت عنه الآن .....

نظرت للشخص الآخر لأقول له:

- ولا أتذكر اي شيء من الاشياء التي اختلقتها انت ايضًا , فهذا المكان اكتشفته منذ مدة قصيرة عن طريق حبات الخرز التي اعطاني ايها العجوز , ولا وجود لما تتحدثون عنه....

    أظهر الآخر عدم الاهتمام وهو يلتفت ليغادر المكان فيقول:

-لا يهمني عَلِمتَ أم لا فأنت في الاصل لست هدفي , فأنا -كما قلت- اسعى لمن هو افضل . . . . .

-ومن هذا الذي تتحدثون عنه؟ من هذا الذي يكون افضل من كليا؟ وما الذي يميزه اكثر من الثقة بالنفس ومساعدة الغير؟

       "المعرفة" قالها عادل مقاطعًا اياي بها ليمنحني مزيداً من الوقت للتفكير , فأقول بعدها :

-فلنفترض ان ما تقوله الآن حقيقة , لماذا إذًا لا اتذكر اي شيء ؟ بل لماذا لا يتذكر اي شخص سواكما كل هذا؟

      اجاب هذا الصوت المألوف من الخلف:

-لأنه تم محو ذاكرتك.....

     وفي تلك اللحظة اشتعل هذا الشخص بالحماسة لأن هدفه قد ظهر له اخيرًا , كما انني اعتدت أن اسمع هذا الصوت بإستمرار لكن لو وضعت احدًا غيره في تلك اللحظة لكنت صدقت ما اراه الآن.....
_____________________________



اتجهت عيناه للاسفل مفكرًا للحظات ثم قام من مكانه ليتوجه إلى الغرفة معي حيث جلست بالقرب من هذا الشخص الذي بدى مختلفًا عما عهدته من قبل فيدخل بعض الحضور من بينهم عادل واخيرًا صاحب العينين اللامعتين فأتوجه إلى من بجانبي فأقول له:
-لقد حضر الجميع , يمكننا ان نبدأ الاجتماع الآن يا رائد . . . .

       وفجأة انطفأت الشاشة عن العمل تاركةً اياي مع العديد من التساؤلات ؛ كيف اقول لي ان اناديه برائد في حين ان رائد هو انا ؟ من هذا الشخص الذي صاحب تلك العيون؟ ولم بدأت الذاكرة في العمل مع دخوله في المرة السابقة؟ ولم بدأت في العمل الآن مع انني وحدي في المكان؟
_____________________________
      مر بخاطري هذا الموقف حينما رأيت نفس الشخص في المكان الخطأ مجددًا فعلى ما يبدو ان هذا الرائد الذي تحدثوا عنه هو من يعرف الآن بـ..... .



             *          *          *          *          *          *          *

       وداخل تلك الاسوار اندفع بعض الجنود كي يبادلوا ادوارهم مع الآخرين ويوجهوا سهامهم نحو الاعداء الذين خُيلَ لهم أن بإستطاعتهم إقتحام هذه الاسوار المنيعة بعدما تم إغلاق البوابة التي تقع اسفلها والتي اُطْلِقَ عليها "الفتوح" لأن يخرج منها الجنود للفتوحات ويدخلوا من البوابة التي بجانبها وهي النصر , وفي الناحية الأُخرى من السور سوف تجد المسجد الذي يتصل به  حيث يمكنك رؤية مساحته الشاسعة من اعلى السور بالاضافة إلى بقية الشارع الذي يمتلىء بالمتاجر التى تبيع تلك البضائع التراثية . . . . مهلًا! ما الذي جاء بهم إلى هنا؟ . . . . يا إلهي , يبدو ان هذا المكان قد نقلني إلى العصر الذي بُنِيَ فيه وانساني العصر الحالي .

       أين انا الآن ؟ في نهاية اطول شارع اثري والذي تم تسميته نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي حيث اقف أعلى بوابة الفتوح لكنني الآن متجه إلى البوابة الاخرى كي اخرج من هذا المكان لكن , لماذا لا اخرج من المكان الذي دخلت منه؟ لأن القاعدة تقول بأنك عندما تمر بالفتوح فلا يجب ان تعود منه , بل يجب ان تعود من النصر , لكن في حقيقة الامر ان العامل قد اغلق الباب لأن وقت الظهيرة قد مر وانا ظننته يمزح بشأن هذا التحذير وأن المخرج بالقرب من الباب الآخر "سامحك الله ايها العامل" . . . . .

      من الرائع ان تزور هذا المكان من الحين إلى الآخر , حيث يمتزج الجمال بالروعة ليتجسدوا في تلك المباني التي تظنها للوهلة الاولى انها مساجد رغم ان فيها المدرسة والحمام العام والمستشفى والمنازل الخاصة والسُبُلْ ؛ فهذا المكان مليٌ بالكثير من الاماكن التاريخية والتى من الصعب زيارتها في يومٌ واحد , لكنني اكتفيت هذا اليوم بهذا القدر ولا امانع في بأكمالهم في يومٍ آخر , فلا يوجد افضل من هذا المكان لكي تتخلص من آلامك فيك ؛ مثل ان تكتشف انك لست الاعلى شأنًا في المكان الوحيد الذي يتمحور حولك في الاساس , فلو لم تكن اهم شخص لدى ذاتك فمن ستكون !

      كان من الصعبِ عليَ تقبل هذه الحقيقة ؛ فمن الوهلة الاولى ظننت أن هذا الامر ليس إلا محض خدعة من هذا الشخص لكن عندما يؤكد لك الآخرون هذا فكأنهم يأخذون المسدس منه ليخترقوا جسدي برصاصاتٍ اضافية , لذلك حاولت نسيان هذه الحقيقة او تجالها لبعض الوقت وعدم التفكير فيها الآن ؛ لأن هذا ليس بالشيء الجيد لذلك حاولت بقدر الإمكان عدم التحدث مع المشاعر لفترة فأنا لا اعلم ماذا افعل الآن . . . . 

      استمر التجاهل طوال طريق العودة لأقف امام هذا الشارع الذي قادني مسبقًا إلى هذا العجوز , لا مانع إن حاولت مجددًا طالما الرمال الحمراءُ معي ولحسن الحظ فأنا احمل مخزونًا إضافيًا هذه المرة , وعلى الفور قُمتُ بصنع ثقبٍ صغير و شَرَعْت في السير متفاديا الطرق التي مررت بها المرة السابقة , حتى بدى لي بعضها مألوفًا من ذلك اليوم فأتمكن اخيرًا من الوصول إلى هذا المكان الذي لطالما وددتُ الولوج إليه , ألا وهو "الخرابة" .
        تلالُ صغيرة من نفايات البلاستيك والمعادن الصدئة والعديد من الاشياء التي لا انصح بمعرفة ما هي و أشياء  لا أنصح بلمسها -ولو حتى بالخطأ- كونها تحتوي على مفاجآتٍ غير سارة مثل الجزران أو الديدان التي لا اعلم فصائلها او تلك الحشرات الغربية الأُخرى . . . .

     بعد العثور على المكان توجب عليَ أن أجد الرجل العجوز فلا سبب لي يدعوني أن آتي إلى هنا إلا لو اردت التخلص من القمامة , فأنا ارغب بالتعرف على تلك الحبات اكثر , بل ولماذا اعطاني اياها في المقام الاول , والاهم من ذلك اين هو الآن؟ فهو لم يكن في تلك البقعة التي تقع اعلى ذلك التلك الاكبر بينهم ولم يكن موجودًا في الامكان الاخرى , لكن لا يهم فلقد عرفت المكان وسوف آتي غداً . . . . 

      سحبتني خطوات قدمي إلى نهاية هذا المكان لأعطيه نظرة أخيرة قبل أن أُغادر وأتذكر أول مرة حين ناداني واقترح عليَ أَنْ آخذ هذه الحبوب ثم اختفى بعدها , التَفَتُّ لأغادر المكان لِأُفَاجأ على الفور بوقوفه امامي دون حراك ,عجزت عن الكلام حينها بينما يعلوا وجهه تلك الإبتسامة البلهاء فتتغير فجأة ثم يصرخ بوجهي صرخة مصتنعة خرج معاه بعض اللعاب :

-عاااااااااااااااااااااااااااااااااا!


-عاااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!


-عاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!

      قلت له محاولًا تمالك نفسي :

-ماذا هُناك ؟ ما الذي حدث!

-إنهُ انتْ , لقد ظهرت أمامي وفاجأتني....

-بل انت من فعل ذلك قبل قليل ! 

-من أنت على اي حال؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟

      قلت له بينما اظهر ما معي:

-لقد جئت بخصوص هذه . . . .

     نظر إلى يدي مطولًا ثم قال بينما يفكر:

-اممممممم . . رمالٌ حمراء , عظيم . . . .

      نظرت إلى يدي لأوقن أنه الجيب الآخر:

-لا مهلًا , اقصد هذه :

      نظر إليها بينما يخرج سيجارة دهسها القطار سبع مرات ليضعها في فمه ثم يشعلها:

-مثيرٌ للاهتمام . . . 

       قُلْتُ لنفسي "وهل يدخن؟" ثم بدأ بالسعال وهو يحاول ان يقول:

-السيجارة الاولى تكون الاصعب كح كح كح لكنني سَأُحَـ كح كح كح .......

       سألتهُ متعجبًا:

-ولماذا ترغب في التدخين ؟

-لزوم الروشنة يا برنس . . . .

-وماذا بشأن هذه ؟

-إنها طريقتي لحل مشكلاتك . . . .

      هذا يعني بأنه مازال يتذكرني وهذا بالشيء الجيد....

-ولكن ما الذي جعلك تعطيني اياها؟

      رفع يمناه ليشكل بها علامة النصر ثم قال:

-سببان . . الاول : لأنني الوحيد من يصنع هذه الحبات , والثاني : لأنك تأتي إلييَ بإستمرار لتحصل عليها . . . .

-هذه ثاني مرة آتي إلى هنا , فكيف تقول بإستمرار . . . .

      إرتسمت إبتسامة على وجهه لطالما عهدتها على نادر حينما يريد إخفاء شيءً عني , او انه يرغب بأن ابحث عن الجواب بنفسي ؛ فهو يقول لي هذا الآن بهذه الابتسامة ثم يقذف بهذا الكيس في الهواء ليعطيني اياه وعلى ما يبدو من صوت الخشخشة الذي يصدره انه يعطيني المزيد من الحبات , ثم يتركني ويذهب ببضع خطوات فأهم انا الآخر بالمغادرة ليستوقفني بسؤال فيقول:

-هل تعلم ما هو الـ"لا وعي" ؟

-هو توقف إرسال الإشارات من الحواس إلي المخ , كأن يُفْصل عن العالم الخارج فيكون غير واعيٍ بما حوله ؛ فهنا نطلق عليه لا وعي . . . . 

        ضحك لثوانٍ معدودة كأنما شعر بتفاهة الإجابة ثم اردف " لست سيءً" كأطراء , وبينما اتفقد الحبات الجديدة سألته عن اسمه فلم يجب , فنظرت إليه ولم أجده كالمرة السابقة فأكملت خطواتي لأجده يصرخ من الخلف فيفزعني ثم يضحك بشدة بينما انا التقط انفاسي لأصرخ به؟

-ماذا بك يا هذا؟

-ها ها ها ها ها ها انا "الحكيم" ها ها ها ها ها . . . .

-وما الذي يجعلك كذلك؟

-لا هذه ليست صفة , إنما هو اسمي , انا ادعى حكيم . . . .

       وبينما التقطت أنفاسي وأسمع ضحكاته التي تختفي تدريجيًا فألتفت إليه واقول:

-عاشت الاسامـ . . .

      فأكتشف انه قد فعلها مجددًا واختفى فأهرول بعيدًا عن هذا المكان-إلى المنزل- لأنني  -لا ارغب بمفاجآته تلك مجددًا فأنا لا ينقصني حكيم لأقلق بشأنه . . . .

     أَسرعت بالعودة إلى المنزل وقد خارت قواي واصبحت غير قادر على الحركة ولا اريد شيءً من هذا العالم إلا سريري العزيز , ولا مانع في أخذ الحبة الآن فلدي العديد من الاسئلة التي اوجهها لأحدهم , فعادل يقول ان الشخص الثالث هو انا , و الشخص الثاني هو الذي يعرفني ولا اعرف , وبينما الشخص الاول الذي يقول بأنني فقدت ذاكرتي هو ما نعرفه الآن بإسم "فضولي" . . . . .

الثلاثاء، 16 فبراير 2016

unconscious 20

          "ومع هبوب تلك العاصفة التي من الصعب رؤية شيء منها ؛ استطاع بطلنا الباسل نزول المنحدر الخطر ليمر داخل نفق اليأس المظلم حتى خرج منه بصعوبـ....."

"فضولي! ما هذا الهراء؟" صِحْتُ عليه ثم قال هو:

-ماذا ؟ انا اضيف لمسة من الجنون على ما يحدث . . . . .

-بل هي مبالغة في حد ذاتها . . . . .

       وهنا احسست برغبة في النظر إلى هذه اللافتة الكبيرة الخاصة بمحطة وقود السيارات التي وجدتها على الطريق فيسألني نادر:

-الا تبدو مألوفة لديك؟

-بلى , هي كذلك . . . .

         تلك اللافتة الكبيرة , أتذكر وجودها هنا لكن اتذكر رؤيتي لها في احد المواقف . . . . اتذكر انني كنت متعبًا حينها؟ مهلاً ! انها من ذلك اليوم ؛ الفرح , الاعشاب , الخرابة و الرجل العجوز , اتذكر انني رأيت اللافتة الكبيرة , هذا يعني ان الشارع المقابل لها هو بداية الطريق إلى هذا العجوز . . . .

قال نادر:

-هذا يعني بأن شكوكي كانت في محلها , هيا بنا إلى هناك إذًا . . . .

قال عباس بملل:

-الا يفضل ان تذهب إلى البيت لترتاح؟ لقد كان اليوم طويلاً . . . .

-وكيف يكون طويلًا والايام كلها اربعًا وعشرون ساعة؟

        تجاهلته ثم توجهت إلى مدخل هذا الشارع ونظرت إليه اتفحص اجزائه ثم اخرجت كيساً صغير الحجم مكدس بالرمال الحمراء ثم التقطت حجرًا صغيرا من الارض وصنعت خرقًا صغيرا به وبدأت اتجول في الشوارع التي لم اعرف غالبها , لكن بعد فترة توقفت ثم عدت من حيث اتيت فسأل فضولي : 

-لقد اوشكنا على الوصول , لماذا توقفت؟ 

قلت له بينما اشير إلى الكيس الخاوي:

-لقد نفذت الرمال , وانا اشعر بالارهاق ولا طاقة لي لمعرفة الطريق الآن . 

سأل متعجبًا:

-رمال! صحيح . . ما هو الهدف منها؟ ولم هي حمراء؟

-الهدف منها هو معرفة الطريق , فالعجوز الغريب لن يرشدني كل مرة لكن هي كذلك ؛ فهي ترسم هذا الخط الاحمر الذي يتبعني في كل مكان عن طريق تسربها فأعرف الطريق من فوري , لكن المثير بالموضوع انني اوشكت على الاقتراب من هذا العجوز , فلدي بعض الاشياء اريد معرفتها منه .

-وماذا بشأن هذا اللون الاحمر؟

-انتظر وستعرف . . . .

       سرعان ما وصلت إلى البيت من اول يومٍ لي في الجامعة وكالعادة بدلت ملابسي وذهبت إلى المطبخ ثم اخرجت نبتة الشمندرمن الثلاجة ووضتها في وعاء ثم وضعت عليها بعض الماء الذي يتغير لونه إلى الأحمر بسبب النبتة , بعد ذلك ملئت احد الاكياس بالرمال وانتظرت قليلًا حتى طغى اللون الاحمر تمامًا على الماء ثم اضفته إلى الرمال كي تصبح حمراء فقال فضولي مندهشًا:

-هكذا إذا . . أتعلم ؟ هذه احدى الاشياء الغريبة التي تفعلها والتي لا اجد لها تفسير ؛ مثلما خبأت احدى الحبات داخل تلك المزهرية فورحصولك عليها .

-لقد اخبرتك مسبقًا عن السبب , اما إخفائي للحبة فهو خشية ضياعها او فقداني لها ؛ فلو حدث سوف امتلك فرصة اخيرة لتجربتها , وانا لا افعل هذا مع الحبات فقط بل مع اي شيء جديد , لكن الاغرب من ذلك هو عدم معرفتك لتلك الاشياء رغم انك معي طوال الوقت .

-ربما لأنني لا انتبه في العادة .

-حرى بك ان تنتبه بعد ذلك , فلا احد يسأل غيرك هنا .

       توجهت إلى السرير كي ارتاح قليلًا وكل ما يشغل تفكيري هو امر هذا الجديد والذي على ما يبدو انه لا ينوى خيرًا , اخذت حباية لأكلها فقاطعني فضولي:

-وها هي الحباية الباسلة على وشك دخول نفق اليأس المظلم بعدما امسكت بها كلابات العملاق المخيف . . . .

-يا إلهي , المزيد من الهراء . . يوما ما سوف اطلب من بهاء ان تختفي . . . .


                    *       *       *       *       *       *       *       *        

       هل احسست يوما ما بأنك لا ترغب في الذهاب إلى هذا المكان؟ هل احسست بذلك الشعور الداخلي , ذلك الصوت الذي يقول لك اياك ان تذهب , ليس المكان هو المشكلة لكن من يتواجد فيه هو اكبر مشكلة , هذا بالضبط ما حدث معي ؛ شعور بالقلق ينبع من احد الاماكن , وكلما اتجت إليه صار اقوى , حتى قادني هذا الشعور إلى غرفة الذاكرة , فتحت الباب لأجده جالسًا ينظر إليَ بتلك النظرات القاتلة وعلى وجهه ابتسامة مريبة لكن فجأة بدأت الشاشة بالعرض , تخيلت للوهلة الاولى أنها ستعرض لي حدثًا كنت اشعر بالقلق فيه لأن هذا ما يصف حالتي الآن لكن ما شاهدته كان عبارة عن إجتماع في تلك الايام التي يظهر فيها الجميع وكأنهم اصغر في السن , على ما يبدو ان صاحب الاجتماع هو تامر فهو من عرض صورة لتلك الفتاة , مهلًا ! إنها صديقتي منذ الطفولة , ما الذي أتى بها إلى هنا الآن؟ 

       وعلى شاشة العرض قال تامر:
-احتاج إلى المساعدة يا رفاق , أريد التقرب من هذه الفتاة لكن المشكلة انها تسكن في مكانٍ آخر من البلاد وقَلما ذهبت هناك , وبالطبع لم اقابلها ابدًا حينما كنت هناك ؛ لذلك افكر في طريقة لمقابلتها . . . . .

      من المؤكد ان فضولي سيأل في هذه اللحظة كيف لم تقابلها في هذا المكان لكنك تكن لها تلك المشاعر وترغب في التعرف عليها , او يمكن ان نقول بطريقة افضل : كيف تعرفت عليها ؟ لكنه لم يفعل  . .  لكن لو فعل ؛ كنت سأخبره بأنني كنت اقضي العطلة الصيفية في احد البلدان وكانت هي كذلك , حيث اصبحنا اصدقاء لعدة اسباب ؛ فنحن نسكن بالقرب من بعضنا البعض كما انه توجد صلة قرابة ليست بالبعيدة , لكن بعد ذلك توقفت عن المجيء إلي هناك وما عدت اراها . . . .

       بدأ صاحب الاعين اللامعة بالتحدث عن طلب منها ذلك مباشرة بمقابلتها في مكانٍ ما عند الذهاب إلى المدينة التي تقطن بها وذلك عن طريق البريد الالكتروني , كان يتحدث بتفاخر وكأنه افضل الحاضرين بطريقة تجعل نادر متواضع من الدرجة الاولى مقارنة بنظرات الإحتقار التي كان يرمق بها البقية مع جلسة التفاخر تلك , لكن ما لفت انتباهي هو محاولة نادر لقول شيءٍ ما فنظراته تحمل الكثير , لكن من المثيرللاهتمام انني لاحظت ذلك بالفعل في تلك اللحظة ايضاً ؛ فبعد ما انتهي هذا الشخص من حديثه رفعت يدي ثم سمح لي رائد -في تلك الفترة- بالحديث ثم اقول:

-في الواقع ليس لدي ما اقوله لكن هذا الشخص لديه . . . . 

    قمت بالاشارة إليه لتتحول نظرات الاعين ناحيته فيشعر بالتوتر الشديد الذي يتلوه التصبب بالعرق فهمس لي قائلاً:

-لماذا فعلت ذلك , انا لم اقل اني ارغب في الحديث . . . .

       ابتسمت له كي اعطيه بعض الثقة في نفسه لأقول بعدها:

-على رسلك يا فتى , انت لم تقل لكن عيناك فعلت وانا ارغب بالاستماع إليها , فمن الواصح ان وجودك هنا على وشك اضافة شيءٍ ما إلينا وانك لست العبء الذي تعتقد . . . .

       وعلى ما يبدو ان كلماتي كانت حافزاً له وبالفعل استطعت إقناعه بالوقوف والحديث فأنا متلهف بشدة لأستمع إلى كلامه فيقول:

-كلام من سبقني ليس إلا محض هراء . . . .

      ويالتني لم افعل , تعالت نظرات الدهشة بين الجميع كما انه هذا الشخص صاح به محذراً اياه بأن يحفظ لسانه وانه اقل شأناً منه ولا يسمح له بأن يقول مثل هذا الكلام لكنني قاطعته واخبرته بأنه لم يكمل كلامه بعد وانه ليس من حقه ان يعلق في منتصف الكلام ليوافقني رائد في الرأي ويطلب منه ان يكمل :
-من المستحيل ان تقبل الفتاة بهذه المقابلة فهي لم تفعل ذلك سابقا ولن تفعله الآن. . . .

      قال مستهزيءً:

-وماذا تقترح يا ابو الافكار؟

-سوف نذهب نحن إليها......

       شعر تامر بالدهشة وقال:

-وكيف ستفعل ذلك ؟ لا احد يعلم اين تسكن . . . . 

       اضافَ ليث:

-وبالطبع لن تسألها في البريد عن مكان المنزل . . . .

      قال نادر ونظرة الثقة التي عهدتها به على وجهه:

-انا لست بهذا الغباء , فأنا سوف اذهب إلى بيتها واجعل الامر يبدو كما لو كان مصادفة . . . . .

      لكن فجأة انطفأت شاشة العرض لأكتشف بعدها انني اصبحت وحيدًا وان هذا الشخص مازال بالمكان لذلك توجهت إليه وانا اقاوم تلك الرغبة الملحة في الابتعاد عنه لأقف امامه واقول له:

-من انت يا هذا؟

     فيبدأ حديثه بالضحك المريب ويقول:

-انا هو الرائد الحقيقي . . . . .

الأربعاء، 13 يناير 2016

unconscious 19

     تلتفت الفتاة لرؤية من يراقبها فيتجمد الآخر بمكانه , لكنه و بصعوبة يرفع يمناه كما لو انه يحمل اثقالاً بها فيرسل إلهيا تحياته فتبتسم الأُخْرَى وتعيدها إليه فتحلوا الحياة من جانبه وتختفى الاخرى بين الناس , وفجأة يتوقف الجميع عن الحركة كما لو ان الزمن انتهى فى تلك اللحظة , وبحركة سريعة للخلف يعود كلٌ إلى مكانه منذ البداية ويتكرر ما حدث ؛ تنظر إليه , يلوح لها , تبتسم , تلوح , يبتهج ثم تغادر ويتوقف كل شىء ويعود مجدداً للحظة إلتفاتها ويتكرر الامر مراراً حتى علا هذا الصوت فى المكان:

-كَفَى!!!

صاح به عباس:

-ماذا بك يا ليث ؟ احاول النوم هُنا , الا يكفينى هذا المشهد المتكرر ,والآن انت !

-ولم نحن مجبرون على المشاهدة؟!

ثم نظر ليث إلى تامر الذى ظلت الابتسامة على وجهه طيلة تلك المدة وقال:

-هل لأنه هو فقط من يريد؟

ثم نظر لى بينما اتأمل العقد الذى وجدته والتطابق الواضح بينه وبين الذى تضعه الفتاة على رقبتها و قال:

-رائد , افعل شىءً , لقد اصبح الوضع لا يُحتمل . . . 
-لا تقلق , فلدى ما افعله.

      ها انا الآن بداخل غرفة الذاكرة , ها هو تامر يستعرض حدثاً أَحَبَهْ , وها هى فرصتى لتجربة هذا المكان , فقط فكر فى ما تريد مِنْ ثَمَّ شاهده على الشاشة , اين وضعت هاتفى النقال؟؟؟؟

      وفى تلك اللحظة تحولت الشاشة إلى اللون الاسود , كما لو انها انطفأت فجأة ليتنفس ليث الصعداء فرحًا , فسألت النادر الذى بجانبى عَمَّا حدث ليبدأ فى الضحك ثم يقول:

-هههههههههههه , هل حقاً تخيلت الامر بتلك البساطة؟! تَخيُل اى شىء فتظهر لك الشاشة المشهد بكل سهولة ويسر! 

-لقد عرضت الشاشة مواقف حدثت لى منذ اعوام كما انها عرضت ما حدث بالظهيرة اليوم وتعجز عن الإتيان بما هو منذ بضع ساعات؟

-عزيزى رائد , ليس الامر كما تتخيل , فتلك الامور التى ذكرتها منذ قليل احتفظت بها الذاكرة , وشاشة العرض التى امامك كل ما فعلته هو إستدعاء لتلك اللحظات , لكن عندما قامت بفعل ذلك مع إحدى اللحظات الغير محفوظة.....

-هذا ما حدث....

-تحديداً....

-فى هذه الحالة , سأتذكر شىءً آخر. . . .



   "البداية" , اللحظة التى جمعتنى ببقية مشاعرى , اللحظة التى بدأ بها كل شىء , اول مرة جئت فيها إلى هذا المكان , اتذكر هذه اللحظة جيداً , بالتأكيد ستظهر على الشاشة . . . .

     لكن لم يحدث شىء , الشاشة السوداء لم تتغير , نادر مازال يضحك:

-ههههههههههههههه مجدداً ؟!

-دائماً تتحدث متأخراً , ما المشكلة الآن؟

-فى المرات السابقة عندما بدأت فى تخيل اشياءٍ حدثت لك فى الواقع , اى انها لم تحدث داخل هذا المكان , تطلب الامر تذكرها منك فقط , لكن هذا العالم مختلف , فلو اردت إستدعاء حدثٍ معين ؛ يجب على جميع من عاش هذا الحدث بالحضور , لكن انظر حولك , ينقصنا العديد من الافراد لإستدعاء هذا الحدث , ارنى الآن كيف ستجمعهم . . .

       نظرت إليه ببرود بينما اظهر الزر الاحمر الذى يطلق الإنذار بالمكان فيجتمع العديد من الافراد داخل القاعة مستفسرين سبب الدعوة فأخبرهم بأمر تلك الغرفة واننى ارغب بتجربتها بتذكر اول اجتماع لنا داخل القاعة , لكن الشاشة لم تبدأ بالعمل اى ان العدد لم يكتمل بعد , ها هو بهاء يدخل إلى القاعة يتبعه العديد من الاشخاص , لكن اين فضولى؟ لِمَ لَمْ يحضر بعد ! فى مثل هذه الاوقات يكون اول الحاضرين؟؟!!

     فجأة فُتِحَ الباب ببطء , عمَّ البرود المرعب ارجاء المكان ,احسست بشىءٍ غريب , تسارعت ضربات قلبى بشدة , التوتر الحاد يسيطر عَلَىْ , قطرات العرق تداعب وجهي , تلك الخطوات الباردة التى تخص هذا القادم من بعيد , لم استطع رؤية تفاصيل وجهه لكن من الصعب ألا تلاحظ تلك العيون التى تلمع وسط هذا الظلام المحيط به , وعلى غير المتوقع فإن شاشة العرض بدأت بالعمل واظهرت بداية الحَدَث . . . .

                          *      *      *      *      *      *     


"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . . السلام عليكم ورحمة الله" 

استلقيت على السجادة بينما اتأمل القبة ذات الطوب الأحمر التى لم تكتمل بعد والتى تبعث بالطمأنينة فى الجسد وتجلب الراحة النفسية بمجرد النظر إليها ثم قمت بإعادة استرجاع ذكريات اليوم بطريقة عشوائية وكانت كالآتى ؛ لافتة زرقاء تقول "مرحبا بك فى الفيوم" , الكثير من الأراضي الزراعية , تعجب الفلاحين من بشرتى السمراء كونهم لا يعلمون بمحافظة تُدعى اسوان فى جنوب مِصر , "كيف اذهب إلى الجامعة؟" , "الحافلة رقم 6" , "اين دار العلوم؟" , "البوابة الاخرى اقرب للكلية" , شئون الطلبة : "اختبارات القبول ستبدأ يوم الاحد القادم لكن اذهب إلى المحاضرة الآن" .  .  .  . "سيبويه" قاعة كبيرة متدرجة الصفوف تم تسميتهاعلى اسم إمام النحاه, يجلس الطلاب بشكلٍ عشوائى , لا مانع "للدكتور" بأن ادخل بعده فنحن فى بداية السنة , نظرات التعجب المشابهة إلى هذا السائح الذى ارتاد كُليتهم , احد الصفوف فارغ اى لا بأس بالجلوس به ,  مازالوا ينظرون إلَىْ كما لو كنت تنيناَ مجنحاً بثلاثة رُءوس ينفث اليورانيوم المشع ولدى فأس حاد فى نهاية الذيل يقطع اى شىء , تحدثت مع من بجانبى كي أكسر هذه القاعدة وابدأ فى تكوين الصداقات , فلا بأس فى ان ادعه يمثل دور الزكى مؤقتاً فأنا فى حاجة إليه لبعض الوقت "إن كان ليك عند الكلب حاجة!" ,بعد ذلك  يتعجب كون اجادتى العربية ثم ابدأ فى إجابة الثلاثة اسألة التى تحير الجميع هُنا ؛ لا بل من اسوان , لا بل اسكن بالجيزة ,المجموع ..... 

     وبعد انتهاء المحاضرات قررت المغادرة فلقد وجدت بأنه لا شىء افعله فى الجامعة , "الحافلة رقم 6 تعود من حيث اقبلت" هكذا قال لى اول صديق بالجامعة ,  موقف الحافلات المُسافرة ليس بِبعيد , هذا الذى يهتف "مونياب , ريماية , ماشعال" هو الاقرب إلى المنزل , استقليت الحافلة ثم استلقيت على الكرسى معاتباً من جاء بى إلى هنا...... 
_____________________________________

سحقاً لكن ايتها الإناث...اتمنى الذهاب بعيداً عن المنكر....
قاطعنى هذا الصوت الغريب ليقول: "لك ما اردت"
.
"بهاء" .. يحقق الامانى.
_____________________________________

-الفيوم! عندما اطلب الذهاب بعيداً عن المنكر ؛ تُلقى بى فى الفيوم؟
رد بهاء الذى قل ما سمعتُ صوته:
-انت من طلب ذلك.....

       تجاهلت امر تلك الامنية فقد ادهشنى ما حدث بالامس , فالجميع يعلم ما حدث بأول يوم ؛ الفتاة التى ظهرت على الشاشة , الخلاف المعتاد بين تامر وليث , فضولى الذى يسأل كثيراً , بالمناسبة اين هو؟ وكيف بدأت تلك الذكرى الغريبة بدون حضوره ....

      ادرت مقبض الباب الخاص بغرفة الذاكرة ثم ولجت إليها من اجل استرجاع اول اجتماع تم عقده , بدأ عرض الذاكرة بدون حضور احدٍ غيرى , مكان ملىءٌ بأشخاص لديهم وجوهٌ مألوفة ؛ فهذا عباس الذي ينام -كالعادة- وهذا الذي يقول " لكل قرارٍ نتيجة " فهو بهاء بالإضافة إلى هذا المشهد الغريب الذي يجمع بين اثنيْن يتبادلان الحديث الودّي فيما بينهما مما جعلني انظر إليهم بتعجب لأنه من المستحيل أنْ يجتمع ليث مع تامر في حديثٍ ودّي ابدًا , كانا يتحدثان عن شخصٍ يدعي شادي وانه سوف يحضر ايضًا لكن كيف لهما ان يكونا معًا , ومع توجه الجميع إلى غرفة الاجتماعات رأيت احدهم يجلس بالقرب من القاعة وينظر إليهم ولا يقترب معهم , لأجد نفسي متوجها إليه وأسأله عن سبب عدم حضوره فيقول:

-من الافضل الا اتطفل على الجميع واصبح عبءً عليهم , فأنا لن اتحدث و وجودي لن يضيف شيءً . . . . 

فأجيبه بإبتسامة تبعث الثقة في نفسه:

-بل بقائُك بالخارج مضيعة للوقت , لن اطلب منك الحديث لكن ربما نحتاجك بالداخل . . . .

اتجهت عيناه للاسفل مفكرًا للحظات ثم قام من مكانه ليتوجه إلى الغرفة معي حيث جلست بالقرب من هذا الشخص الذي بدى مختلفًا عما عهدته من قبل فيدخل بعض الحضور من بينهم عادل واخيرًا صاحب العينين اللامعتين فأتوجه إلى من بجانبي فأقول له:
-لقد حضر الجميع , يمكننا ان نبدأ الاجتماع الآن يا رائد . . . .

       وفجأة انطفأت الشاشة عن العمل تاركةً اياي مع العديد من التساؤلات ؛ كيف اقول لي ان اناديه برائد في حين ان رائد هو انا ؟ من هذا الشخص الذي صاحب تلك العيون؟ ولم بدأت الذاكرة في العمل مع دخوله في المرةالسباقة؟ ولم بدأت في العمل الآن مع انني وحدي في المكان؟

"انطفأت مجددًا" قاطعني بها نادر فأمنحه نظرات التعجب واقول:

-منذ متى وانت هنا؟
-دخلت توًا


-وهل تعرف كيف بدأ عرض هذه الذاكرة مع ان من بها ليسوا بالقاعة؟

- بالطبع , فعند بدأ احدى الذكريات الخاصة بهذا العالم في هذه الغرفة ورؤيتها من قبل الباقين فأنها تصبح جزءً خاصًا بهم ويمكنهم مشاهدتها لاحقًا كما فعلت انت , لكن لا اعلم لم توقفت عند دخول عادل؟

-انا حقًا لا اعلم , لكن مهلاً! اين هو عادل؟

        سؤالٌ كان لابد من طرحه منذ زمنٍ بعيد , مساعدي الخاص الذي كان يرشدني إلى الطريق دائمًا ليس موجود , حضر الجميع في مسابقة الحظ وكانوا موجودين بإستمرار لكنه لم يكن معهم وانا لم الحظ اختفائه إلى الآن , لكن اين ابحث عنه يا ترى؟

ولحسن الحظ كنتُ اعرف اجابة هذا السؤال ؛ لذلك اسرعت بالخروج من المبنى قاصدًا
 تلك الغابات التي بالخلف فأتوجه إلى المكان الذي رأيت به تلك الاعين اول مرة , توجهت إلى هذا الباب الاشبه بالقفص فأحمد الله لأنه كان بالداخل فأقوم بمناداته والفرحة على وجهي فيبتهج لسماع صوتي وويقول:

-من الجيد انك عثرت عليْ , لقد حُبِستْ لفترة بهذا المكان . . . .

قلت متعجباً:

-ولماذا لا تخرج؟

قال وعلامات الاحباط على وجهه:

-لا يمكن . . . .

-لا تقلق سأخرجك من هنا , فتحته سابقًا وسأفعلها الآن . . . .

-لن تستطيع؟

حاولت فتحه كما فعلت لكنه لا يفتح فأستمريت بالمحاولة وانا اسأله لِمَ؟ فيأتي الجواب من الخلف مع ظهور هذا البرد المرعب الذي يصحبه الظلام دائمًا فيجيبني صاحبه :

-لأنك لم تقفله في المرة الاخيرة . . . .

         التفتت إلى الخلف ببطءٍ شديد بينما ضربات قلبي ليست كذلك , تلك الاعين التي حاولت تجاهلها العديد من المرات ؛ عند الاستيقاظ من النوم وفقد الرؤية بإحدى العينين , في القاعة و في هذا المكان . . . . قولت له:

-ماذا تعني بكلامك؟

-اعني انك قمت بفتحه في المرة السابقة لأنك من اغلقته , لكن هذه المرة انا فعلت . . . .

-ومن تكون انت؟

-هل حقًا لا تتذكرني؟

نظرت إليه محاولاً قول شيءٍ فأقول في نهاية الامر:

-نيجاتيف . . . . .

لكن فجأة احسست بنكزة طويلة في كتفي الايمن جعلت المكان يعم بالظلام فأفتح عيني لأجد من بجانبي يطلب مني الاجرة فأتذكر بأنني مازلت في الحافلة وأن تلك الجولة انتهت . . . .