التراب.. الغبار.. الزمن.. أشياءٌ تجبرك على الرجوع
بالزمن للواء وتذكر تلك الأيام الجميلة، تلك الأيام الخالية من الهموم، فقط
اللحظات السعيدة، أتذكر هذا المكان جيدًا؛ فلقد نشأت به مع اخوتي وأبناء عمي، نحن الآن في بيت جدي القديم لسببٍ سنعلمه
لاحقًا، بالطبع يخبرونك بالقصة كاملةً من النشأة إلى الآن لكنك لن تتذكر بالطبع
هذه الأيام، أما ما أتذكره عن هذا المكان فهو بداية حياتي حسبما أتذكر.
أين أنا الآن؟ في هذا الحي القديم الذي كُنَّا نسكن به
سابقًا، ولماذا؟ ذلك لأن أحد أصدقاء والدي القادمين من البلد مع أسرته رَغِبَ في
المكوث بهذه الشقة لبضعة أيام لاقتراب فرح ولده في العاصمة، لذلك أخذت مفتاح البيت
ودلفت إليه بصحبتهم وأخبرت البواب بأننا من نسكن في العِلِّية فابتهج على الفور
واستفسر عن سبب غيابنا الشديد لأُخبره بأنها الحياة وما إلى ذلك.
في هذه اللحظة جَرَفَنِي كَمٌّ هائلٌ من الحنمضة لحظة
دخولي للبيت القديم ورؤيتي للكم الهائل من الأتربة والغبار ليقاطعني عباس على
الفور:
-
ما هذا
الهُراء الذي تتفوه به الآن؟ من أين لنا أن نعرف معنى هذه الكلمة؟
أردف نادر:
-
هذا لأنك تغفو
كثيرًا أثناء المحاضرات ولا تنتبه للشرح أبدًا وتقوم بتفويت الكثير من المعلومات
عليك.
-
حتى لو كُنت
نائمًا بعمق واستمعت لهذه الكلمة فلن تَمُرَّ بسهولة، فأنا لم أسمع بها قط.
أردف نادر:
-
هذا لأنك لم
تسمعها؛ بل قمنا بنحتها.
تعجب عباس من
هذا الرد ثم سأل:
-
وما علاقة
النحت بهذه الكلمة الغريبة؟ نحن نتحدث عن اللغة وأنت تدخل الفن والمِعمار في
الحديث؟
خرجت ضحكاتٌ
خفيفة من نادر ثم أردف:
-
ولهذا أنت
السبب في تضييع هذا الكم من المعلومات؛ فلو انتبهت قليلًا في محاضرة الصرف ستدرك
على الفور أنَّ النحت في الاصطلاح هو أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنزع من مجموع
حروف كلماتها كلمة فذَّة تدلُّ على ما كانت عليه الجملة نفسها، باختصار هو أن تأتي
بكلمتين وتجعلهما كلمة واحدة.
تعجب عباس ثم
قال:
-
وما شأني مع
هذا كُلِّه؟ أنا فقط أُريد النوم، هذا أبسط طلبٍ في الحياة.. لكن مهلًا! أليس من المفترض
أن تقول النحت في اللغة بدلًا من الاصطلاح؟
-
بالطبع لا؛
فتعريف اللغة هو الشامل لمعنى الكلمة الأساسي، بينما تعريف الاصطلاح يختص بعلمٍ
معين، وفي حالتنا أقصد علم الصرف لأنه مجال دراستنا، والذي بالطبع سيختلف التعريف
من مجالٍ لآخر.
-
يا إلهي..
كَمٌّ هائلٌ من المعلومات، ما شأني وشأن هذا العذاب، أرحني يا نادر وأخبرني بمكان
كلمة الحنمضة في داخل هذه التفاصيل الكثيرة.
تنهد نادر
يائسًا ثم أردف:
-
لقد قصد بها
كلمة الحنين إلى الماضي لكنه قام بنحتهم لتخرج لنا كلمة (حنمضة) وهي نتاج نحت حنين
مع ماضي، لكنها ليست كلمةً شائعة إلا لدينا.. فلربما وافق المَجْمع اللُغَوِي على
إضافتها إلى المُعجم يومًا ما.
-
لقد فهمت
الآن...
-
هل استوعبت
طيات الكلمة؟
قال بعدما
قام بالتثاؤب:
-
بل إنَّهُ
حان وقت النوم وأنني لن أُحَنْمِضَ معكم بعد الآن.. وداعًا.
ثم انسحب
عباس على الفور من الحديث فيردف نادر بعدها:
-
على الرغم من
جهله إلًّا أنَّه استعمل اشتقاق الكلمة بشكلٍ صحيح.
في اللحظة
التي انتهى فيها هذا الجدال الفاره كانت الأسرة تُعبر عن الاستياء من قِدَمِ هذا
المكان رغم إخبارنا لهم لذلك منذ البداية ورغبتي في الشجار معهم لكن نادر أوقفني
لأنهم صغار، ولا يفقهون ما يخرج منهم.. فينتهي الأمر بانتقالهم إلى أحد الفنادق
وعودتي إلى البيت لأن لدي موعد مع أهم شخص في هذا المكان، لدي موعد مع فضولي، أم
من الأفضل أن أقول.. لدي موعد مع رائد الحقيقي...
أوعية،
العديد من الأوعية الكثيرة داخل هذا المكان، في كل وعاء يدخل الماء إليه يتم تمحيص
الماء ثم اختيار الماء الجيد كي يمر داخل النهر المُعتاد بينما الماء السَيِّء يتم
تجميعه داخل هذه الأوعية ثم التخلص منه داخل وعاءٍ آخر.
لكن الآن يجب
عليَّ مقابلة رائد، أين أجد رائد؟ هذا بسيطٌ للغاية؛ فهذا المكان يفعل ما أرغب به
حتى ظهر صاحب تلك الأعين، لذلك عندها أرغب بمقابلة رائد فإنه سيكون حيث أُريد
تمامًا؛ وأنا أريده في المركب التالي المتجه إلى قاعة الاجتماعات.. فيظهر لي بينما
يستند بزراعيه على حائط المركب بوجهٍ خالٍ من الملامح ليشير لي بيده بالركوب فأفعل
ما يطلبه لي وننطلق سويًّا في رحلة هادئة لأقول:
-
كيف حالك يا
رائد؟
ارتسمت
ابتسامةٌ خفيفة على وجهه ثم أردف:
-
لقد مَرَّ
وقتٌ طويل على آخر مرة قمت بمناداتي فيها بهذا الاسم.
في هذه
اللحظة قمت بتبديل الأدوار معه؛ فالآن أنا هو من سيسأل وهو سيجيب.. أو هذا ما
آمله؛ فنادر عندما أسأله نادرًا ما أحصل منه على إجابة.
-
هل يمكنك
إخباري لماذا أنت هو رائد وليس أنا؟ ولماذا أصبحت أنا رائد في الوقت الحالي؟ وماذا
يقصد الجميع بفقدان الذاكرة؟ ومن هذا الشخص الذي لسببٍ ما أطلقتُ عليه نيجاتيف؟
تنفس رائد
الصعداء كما لو كان قد ألقى هذا الحِمل الثقيل عن كاهليْه ثم أردف:
-
لقد بدأ
كُلُّ شيء عندما أخذنا الحبات من حكيم منذُ أحدَ عشرَ سنة واستكشفنا هذا المكان،
سرعان ما انتشرت الفوضى هُنا ليشرع الجميع في اختيار قائدٍ لهم؛ لذلك ظهرت الأسماء
لكل منا لأحصل أنا على اسم رائد...
فأُقاطعه في
هذه اللحظة لأسأل:
-
ومن كنت أنا؟
نظر لي بينما
ترتفع هذه الابتسامة تدريجيًّا:
-
فضولي...
قالها وكأنما
طعنني برمحٍ حديدي وسط صدري ليفاجئني بتلك الحقيقة الصادمة فيكمل:
-
كُنا نعيش
جميعًا داخل هذا الجسد تحت إرادةٍ واحدة حتى بدأت إرادته في الظهور ليقوم بالتحكم
في الجسد من تلقاء نفسه متخطيًّا إياي كما قرارات المجلس أيضًا لتُرفع الدعاوي ضده
ويطالب بالمنافسة على لقب رائد فيحصل عليه، لكن سرعان ما تطور كلُّ شيء حيث أصبح
الجميع ساخطًا عليه، لكن لم يكن لأحد أن يجرأ على تحديه سواك؛ لذلك انضممت إليك
حتى تمكنَّا من هزيمته ووضعه في الحجز.. بعدها أصبحت أنت الرائد، وقد قمت باتخاذ
قرارٍ قوي حتى لا يتمكن من العودة وهو التخلي عن المكان...
-
أيمكن لما
تقول أن يحدث؟
-
لقد ظننا هذا
في البداية، لكن الأمور عادت لما كانت عليه وأسوأ...
-
وكيف ذلك؟
-
كان الاتفاق
على أن يتم محو ذاكرة كُلُّ من بالمكان وهذا لتعود الحياة كما كانت قبل مقابلة
حكيم، ونمنعه من العودة مجددًا لكنه استطاع التحكم في الجسد في تلك اللحظات.
-
أَيُّ لحظاتٍ
تقصد؟
-
اللحظات التي
تكون فيها في حالة ضعف...
عادت ذاكرتي
هذه المرة إلى الوراء في العديد من الأوقات التي قُمت فيها بفعل أشياء لم أرغب في
فِعلها، كتلك المرة التي قمت بإمساك الهاتف قبل النوم لِأجِدَهُ بجانبي واتفاجأ في
المُباراة بأن صديقي يجبرني على الذهاب إليه كي أعود متعبًا لإكمال المباراة وأجد
أن لي الفضل في فوز الفريق، أو كتلك المرة التي ارتشفت فيها اللُفافات
المُلَغَّمة، أو تلك المرة التي أجد فيها انعكاس تلك العين اللامعة في المرآة بعد
استيقاظي من النوم!
لكن
أَكثَرَهم خطورة هي تلك المرة التي اردت فيها شراء الأعشاب من محل العطارة حتى قادتني
فيها قدماي إلى الخرابة.. حيث بدأ كُل شيء.. حيث عدنا إلى تلك النقطة التي رغبنا
في عدم العودة إليها مجددًا.. لقد أصبحت الصورة ظاهرة بشكلٍ واضحٍ الآن، لقد عاد
للانتقام مجددًا، عاد ليأخذ كُلَّ شيءٍ لنفسه، عاد ليتحكم هو بدلًا مِنِّي.
-
بهذه الطريقة
سيكون هو الرائد الجديد ويستولي على كل شيء!
ابتسم رائد
بينما يُرخي كفه الأيمن على كتفي ثم يردف:
-
لا تقلق، لدي
طريقة للتخلص منه...
* * * * * * *
المكان؟ قاعة
الاجتماعات كالمعتاد، الزمان؟ بعد بضع دقائق من حديث رائد وفضولي أو فضولي ورائد؛
حتى نحن في الحقيقة لم نقرر بَعد أَيُّنَا يكون رائد لكن أعتقد بأنني هو حتى هذه
اللحظة، الغاية؟ بالطبع هي التخلص من هذا الشخص الجديد لكنه ليس كذلك؛ بل هو قديمٌ
مثلي ومثل البقية.. لكنه غيرُ مرغوبٍ فيه.
كان يجلس على
هذا الكرسي الخاص بي على الطاولة وحوله العديد من الأشخاص، فأقوم باستدعاءٍ آخر مماثل للكرسي فكما قُلت
سابقًا "هذا المكان يفعل ما أرغب به" جلست أمامه بينما تعلو تلك
الابتسامة المقيتة وجهه فأقول:
-
لنحسم هذا
الجدال هُنا والآن، منافسة جديدة بين كِلَينا لتحديد من هو الرائد...
خرجت منه تلك
الضحكات ثم أردف:
-
ومن قال لك
بأنَّه يمكنك منافيستي على اللقب بهذه البساطة؟
-
وما المانع
في ذلك؟
أجاب بعدما
أعطاني تلك النظرة الجادة:
-
المانع هو
عدم وجود من يدعم كونك رائد هُنا.
سألته
والحيرة تعتلي وجهي:
-
ما الذي
تقصده؟ الجميع هُنا يريدني أن أكون الرائد...
ارتسمت على
وجهه هذه الابتسامة الخفيفة ثم أردف:
-
عزيزي.. هذا
ما تعتقده انت، فلتسألهم بنفسك...
قالها بينما
يلقي بنظره إلى بقية من حوله، ليث وعباس وبهاء وتامر ثم أقوم بسؤالهم:
-
أليس كذلك يا
رفاق!
لكن أحدهم لم
يلفت لي وكأنما يتجاهلونني فيردف هذا الآخر:
-
كما أخبرتك
يا عزيز؛ فلقد أقنعت ليث بأننا سوف نقوم بالأشياء بطريقةٍ أفضل مما كنت تفعل
والمزيد من ساعات النوم لعباس والكثير من الأُمنيات لبهاء كي يقوم بتحقيقها
والسعادة لتامر لكن لا تقلق، إن استطعت الحصول على ثلاثة أشخاص فسأقبل تحديك.
-
أبهذه
السهولة؟ بالطبع لدي فضولي ونادر وعادل...
-
كلا يا عزيز فعادل
أصبح خارج المعادلة الآن، لا أريد رؤيتك هُنا إلَّا عندما تحصل على هذا الأخير...
تحول كُلُّ
شيءٍ إلى غمام أسود لأستيقط بعدها من النوم بالعديد من التساؤلات، هل اختاره
الجميع ؟ هل يستطيع إنهاء الجلسات داخل هذا العالم؟ هل حقًّا أصبح الرائد بهذه
البساطة؟ لا سبيل لتغيير ذلك إلا بالانتصار عليه كما أخبرني رائد، لكن مهلًا! من
يحسب نفسه ليخرجني بهذا الشكل! سأدخل مجددًا إليه لأُريه أنني أخرج متى أشاء.
تناولت الحبة
ثم خلدت إلى النوم وما هي إلا بضع ثوانٍ حتى أظلم كل ما حولي لأجد نفسي على السرير
ولم يتغير أي شيء سوى عيني التي أغلقتها؛ فمخزون النوم قد تم استهلاكه بالفعل ولا
سبيل للعودة إلَّا بعد الاستيقاظ، لا شيء يمكنني فعله على السرير لذلك أكملت يومي
كالمعتاد وواصلت فعل ما أفعله لأتفاجأ بتامر يسير بجانبي...
نظرت إليه
بتعجب ليبتسم هو ثم يردف:
-
بالطبع أنت
متعجب من سبب تواجدي في العالم الحقيقي بشحمي ولحمي وليس مجرد صوت داخل عقلك،
سأُبَسِّطُ الأمر عليك فكل ما حد هو أنَّ...
قاطعته
قائلًا:
-
أنني تناولت
الحبة ولم أنم؛ هذا بديهي كما أنني قد تسائلت سابقًا عن هذا الأمر وتوقعت أن هذا
ما سوف يحدث، سبب تعجبي هو أنك هُنا الآن بعد خيانك لي.
-
مهلًا مهلًا!
من قال بأنني قد فعلت ذلك، كل ما في الأمر أنني اخترت جانب كما البقية، ربما أنت
هو الخائن وليس هم، فهذا رأي الأغلبية كما ترى، كما أنني لم أخبرك بالجانب الذي
اخترت.
تجاهلته
بينما أنظر إلى الأمام لأردف:
-
لا حاجة لك
لفعل ذلك، فلقد فعل الآخر منذ قليل.
-
كلا لم يفعل؛
لقد أخبرك أنه أقنعني بالسعادة لكنني غير مقنع به، لذلك فأنا اختارك أنت.. أنا
الشخص الثالث.
وقع ذلك على
قلبي كالغيث الذي يُرَطِّب الأرض القاحلة، ثم هممت إليه لألتقطه في أحضاني لكن يدي
اخترقته كالشبح ثم أردف:
-
ما الذي
تفعله؟ أنت تعلم أنني صورة من صُنع خيالك لا أكثر.
شعرت بالإحراج
حينها لكن لا مشكلة؛ فإلى هُنا لم يلحظ أحدٌ ما حدث، عدا بقية الشخصيات التي
بداخلي.. فلقد سمعت نادر وهو يقهقه من الضحك لكنني تجاهلته وأكملت سيري، بعدها
سألت تامر السؤال الذي لطالما وددت معرفته منه:
-
تامر!
نظر متعجبًّا
بينما ينتظر السؤال:
-
هل
أَحَبَّتْكَ يومًا فتاة؟
نظر إلى
الأرض مع نصف ابتسامة بينما يتذكر هذه الأيام فيجيب:
-
بالطبع نعم.
-
وماذا حدث
حينها؟
-
يجب عليك أن
تعلمَ أنَّ الحُبَّ درجات، لكن الدرجة التي تقصدها فبعضهن أو لنقل الغالبية تُفَضِّلْنَ
الكتمان، لذلك لم يحدث أي شيء.. عدا إياها، فلقد اختارت البوح لي بذلك...
نظر لأعلى
بينما يتذكر ما حدث ثم أردف:
-
أرادت حينها
لَعِبَ دَورَ العُشاق وما إلى ذلك، لن أُنْكِرَ عليك بأنَّ الأمر كان ممتعًا، لكن الشعور
بأنك تفعل الشيء الخاطئ طوال الوقت يسايرك أينما كنت، اضطررت حينها لإنهاء هذه
اللعبة، أعلم أنني أو من يرغب في ذلك لكن في الحقيقة أنا أخشى عواقبه أكثر.
-
وماذا حدث بعد
ذلك؟
-
كما ترى..
الحياة الطبيعية.. شجارٌ مع ليث في اليوم مرةً أو مرتين، هكذا تكون الحياة.
-
وما الذي تنـ
قاطعني
قائلًا:
-
صدقني يا
رائد هذا ليس وقت الحديث بشأني، بل هو الوقت الذي ستتحدى فيه هذا الآخر.
-
معك حق...
في مساء هذا
اليوم دلفت إلى القاعة وخلفي فضولي ونادر وتامر حيث قابلته وهو في نفس المكان
وحوله البقية، بينما يتطاير الشرر مع أعيننا فأجلس أمامه لأقول له "هاتِ ما
لديك" ليردف هو:
-
لك ما
أردت...
قال بعدمها هبطت
من أعلى تلك الشاشة الزجاجية التي كُتِبَ عليها اسميَّنا:
-
سيكون التحدي
في من يفقد أعصابه أولًّا، والفائز هو الهادئ حتى النهاية...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق