الحدث الأكبر والأهم في تاريخ هذا الجسد، هل حصل تامر على حبيبة؟ كلا، وربما لن يحدث، هل أصبح ليث الرجل الأكثر تقديرًا؟ لا ليس بعد، هل وجد بهاء المصباح السحري؟ بالطبع لم يفعل، ما الذي حدث إذن؟ نزال لتحديد من سيكون الرائد الجديد ومن سَيُرْمَى به في السجن.
(تحدي الأعصاب) هل سَمِعْتَ بهِ من
قبل؟ ربما لا، لكنهُ يحدث بين الخصوم بشكلٍ تلقائي، ربما يقوم البعض بالتمثيل أنه
فقد أعصابه لكن هُنا يجب عليك أن تقوم بإظهار العكس؛ يجب أن تقوم بتمثيل أنك هادئ
حتى لا تخسر التحدي بينما يقوم خصمك بإغاظتك ليربحَ هو، ببساطة إنْ تفقد أعصابك
تخسر.
تحولت قاعة الاجتماعات إلى حلبة نزال مفتوحة
حيث الجميع يجلسون على هذه المقاعد القريبة من الحلبة بينما أصوات التشجيع
والجمهور التي وُجِدَت لتضيف إثارة للمسابقة؛ حيثُ جلس ليث بجانبه بهاء ثم نادر
وبجانبه تامر وعباس وبقية الأشخاص، كما كان هذا الشخص الغامض حاضرًا من تلك
النافذة لكن لم ينتبه عليه أحد، ليبدأ النزال على الفور بين هذيْن الخصميْن
اللذيْن يقفان أعلى هذه الحلبة، فيرفع الآخر يده ويقول "سأبدأ أنا..."
انتشر الصمت في المكان فيعلن هذ الآخر
عن أول خطوة سيفعلها حيث بدأ بالحديث قائلًا:
-
هل سألت
يومًا نفسك كيف تحدُث السرقات؟ أُحَدِّثُكَ هُنا عن انتشال الأشياء وليس عن تلك
السرقات الكبرى بالأسلحة أو التي تُختَرَقُ فيها البيوت أو الحِسابات البنكية،
فحينها تجد السارق يقوم بسحبِ شيءٍ منك دون أن تشعر، لكن في الحقيقة أنت تشعر بذلك
لكن يوجد شعور أكبر يطغى على الشعور الأهم؛ كما أنْ تشعل المصباح وضوءُ الشمسِ
موجود، فأنت لن تشعر بالمصباح حينها إلَّا إذا نظرت إليه أو إذا غربت الشمس؛ فكذلك
السارق أثناء سرقته فهو يستغل هذه النقطة أسوأ استغلال.
قام الآخر بتقريب يسراه من جيب رائد
الأيمن ثم أردف:
-
فلو قام
السارق بوضع يده داخل جيبك، بالتأكيد ستلاحظ الأمر، ستلاحظ ضوء المصباح لعدم وجود
غيره، لكن مع وجود ضوءٍ آخر قوي فإنك لن تلحظ المصباح.
فيقوم بضرب رائد على كتفه الأيسر
بسرعة مما دفعه للنظر إلى مكان الضربة فيكمل:
-
لكن الآن لم
ينتبه أحد على يدي اليسرى لذلك فالسارق قد نجحَ بتشتيت انتباه ضحيته بتلك الحركة.
يعتدل بعدها الآخر عائدًا إلى موقعه
في البداية ثم يكمل:
-
انتهى دوري
الآن، تَفَضَّل أنت.
عَلِمَ رائد حينها عن بدءِ دوره
وأنَّهُ سيقوم بالخُطَّة التي اتفق عليها مع فضولي الآن، حيث ألقى نظرة سريعة عليه
قبل البدء حتى يشعر بالاطمئنان ولو قليلًا لِيَجِدَ فضولي، وقد جلسَ في هدوء
عاقدًا ذراعيْه بينما يشاهد التحدي فيشعر رائد بالطمأنينة لهذا الهدوء وأنَّ الخطة
التي وضعوها تسير على ما يرام، فيَتغَيَّرُ كُلُّ شيء حينما رفع إبهاميه لأعلى
بينما يبتسم تلك الابتسامة البلهاء وهو ينظر إلى رائد، مما زرع فيه القلق وكأنما
يقول له "هذا ما أردناه تمامًا." فيبدأ حينها رائد في الحديث بينما
يشوبه بعض القَلَق:
-
كانَ هناك
رجلٌ لديهِ ولدان وكتكوتٌ أحمر، وكان يُحِبُّ هذا الكتكوتَ بشدة بل وأكثر من
ولديْه؛ فقد كان يعتني به جيدًا ويبحث عنه في كُلِّ مرة يعود فيها من العمل
لإطعامه وليلعب معه حتى جاء ذلك اليوم...
زادَ انتباه الجميع لما هو آتٍ لأنَّ هذه الجملة يأتي
بعدها الزُبَدُ كُلُّه فيكمل رائد:
-
عندما عادَ
الأب إلى المنزل لم يجد الكتكوت الأحمر، وظل يبحث عنه حتى جاء بالابن الأكبر وسأله
"أين الكتكوت الأحمر؟" فأردف الكبير "لا أدري..." فصفعه
الوالد وقال "اطلع برة يا ابن الكلب" ثم ذهب للأصغر وسأله "أين
الكتكوت؟" فأجاب "والله يا أبي إنَّ الـ..." فصفعه وقال "اطلع
برة يا ابن الكلب".
وقتها شعر الجميع بالضجر عدا نيجاتيف الذي ارتسمت على
وجهه ابتسامة صغيرة بينما يدنو من أذن رائد ليهمس له:
-
بهذا المستوى
وصولي للريادة أمرٌ يسير.
انتشر الضباب الأسود معلنًا انتهاء الجولة ومعه ينتهي
ارتباطه بعالم الأحلام خاصته ليستيقظ من نومه فيجد هذا الشعور السائد بالقلق
والتوتر بينما يحاول ألَّا يملأ تفكيره بما يريد حتى ينتهي من خطته.
طابورٌ طويل للرجال وآخر للنساء نقف فيه بعدما نقطع ما
يشبه التذكرة لنشتري الخبز، هذه هي الحياة في مجتمعنا، يضيع الوقت بينما تنتظر دورك
لتحصل عليه، ناهيك عن كم المجادلات التي تنشب بين الناس في هذا المكان، فالبعض
يرغب في اختراق النظام عن طريق إدخال أحد أصدقائه ومعارفه، بالطبع لن نغفل عن
الصراعات مع أصحاب المخبز والتي تنتهي -في الغالب- بفوزهم الساحق بالطبع لأنَّه لا
أحد يمتلك السلطة عليهم، هذه ببساطة خلاصة ما يحدث حينما تنزل لتبتاع الخبز، وقفت
وسط الطابور متأملًا أحوال الناس الممزوجة بالملل عدا هؤلاء الاجتماعيين الذين
ينجحون في صنع محادثاتٍ جانبية مع من يسبقونهم أو يخلفونهم في الدور لينقضي الوقتُ
سريعًا، بينما فشلت في ذلك أنا ومن حولي حيث أقصى ما نستطيع فعله هو تعليق أحدهم
بسخرية على شيءٍ ما فيتبعه ضحكاتٌ مصطنعة من الآخر وينتهي الموضوع.
أخرجت الورقة أو ما تشبه التذكرة من جيبي لأتفحصها والتي
تم تدوين البيانات عليها كوقت طباعتها وعدد الأرغفة التي سأحصل عليها والمتبقية،
وقد لاحظت أنني مكثت وقتها في هذا المكان نصف ساعة ومازال أمامي مثلها وذلك بعد
عمل حسبة بسيطة بمكاني في الطابور الآن ومنذ نصف ساعة، وللأسف فأنا مضطر للانتظار
لأن الغد عيد وقد أوشك الخبز على النفاذ من المنزل والمخابز تغلق في الأعياد بيمنا
إذا حالفك الحظ ووجدت أحدهم يعمل سيكون طول الطابور أضعاف ما أجده أمامي حاليًّا
لذلك فالتعب ساعة والراحة أسبوع.
سأل عباس:
-
متي ينتهي
هذا العذاب؟ أنا أشعر بالملل.
-
بعد نصف
ساعةٍ تقريبًا.
-
يا إلهي،
أسننتظر كل هذا الوقت!
-
وهل أمامك
حلٌّ آخر؟
سأل فضولي ليكسر الملل:
-
هل تتحول هذه
الورقة إلى الأسود حينما تتعرض للحرارة؟
أجاب نادر:
-
بالطبع، فهي
مصممة بوادٍ كيميائية لتتفاعل مع الحرارة حتى يتم الكتابة عليها بأداةٍ ساخنة
لتقليل استهلاك الحبر.
ما هذا الهراء الذي يتحدث عنه نادر! بالطبع هم يستعملون
الحبر داخل هذه الماكينة ولا علاقة لها بالحرارة أو ما شابه.
فيردف نادر على الفور:
-
أنا بانتظارك
في الداخل، ريثما تأخذ الخبز ستجدني بانتظارك.
-
يا لك من
متطفل يا نادر، حتى أفكاري تتدخل بها رغم أننا نتشارك نفس الجسد، لكن لا تقلق فأنا
سأوافيك قريبًا.
داخل قاعة الاجتماعات جلس نادر أمام الطاولة الصغيرة
التي أعدها لرائد بينما يقول له:
-
أعطني ما
عندك.
-
لك ذلك.
فيقوم رائد بإخراج الورقة كيف يثبت له نادر تجربته
العلمية حيث أخذها منه نادر وأردف "سأريك الآن" ثم تكونت بيمناه مكواة
ساخنة قام باستعمالها لتغطية نصف الورقة ثم كشفها فيتحول الجزء المُغطى إلى اللون
الأسود فيردف نادر "أرأيت!" فيتعجب رائد مما حدث ويقول والكذب واضح على
ملامحه:
-
لقد كنت
أختبرك لا أكثر.
-
لا لم تفعل.
يردف رائد بينما يضع الورقة في جيبه:
-
إذا لم تلحظ
فلدي أمورٌ أهم أقلق بشأنها، كالنزال على من الرائـ...
فيلمح رائد حينها غيابَ شيءٍ ما من جيبه؛ فالقلادة التي
تشبه خاصة ديمة ليست معه، لكنه لم يخرجها من جيبه!
من فعلها يا تُرى؟ ومتى؟ أجل، لا بد أنه هو، لقد كان هو في تلك المرة التي كان
يريه فيها طريقة السرقة دون أن يلحظ أحد حيث قام بالسرقة حقًّا.
شعر رائد بالقلق حينها وتعجب من غرضه من السرقة وأنَّ
هذه القلادة لا شأن لها بالنزال بينهم، أو هي كذلك؟ ففي اللحظة التي يفقد فيها
رائد صوابه سينتصر هو، لذلك فرائد يعلم أنَّ عليه إيجادها قبل أن يخسر، لذلك خرج
يبحث عنه خارج القاعة حيث يجهل أين سيعثر عليه في هذا المكان الضخم الذي لم يكتشف
بعد ماهية عمله ليتفاجأ به ناظرًا إليه بينما تعلو وجهه هذه الابتسامة مع العينين
اللامعتين، فيقول لرائد:
-
من يخسر
القلادة يخسر كُلَّ شيء.
فيتضايق رائد ويوشك على إظهار غضبه ثم يضع يداه على جيبه
فيردف الآخر:
-
وهل سرقتها
منكَ لأحفظها معي! ياللحماقة...
فيتركه ويدلف إلى القاعة فيتبعه رائد الذي سأله حين دخل:
-
أين هي إذن؟
لكنَّ الآخر لم يجبه واكتفى بالسير إلى وسط القاعة
فيتبعه رائد ليتفاجأ بتشغيل الضوء حوله ثم يظهر الجميع وهم حاضرون فيشعر رائد
بالقلق لظهورهم فجأة ثم يقول الآخر:
-
لنبدأ الجولة
الثانية الآن...
* * * * * * *
ازداد الحماس بين الجميع حيث أوشكت الجولة الثانية على
البدء، بينما ينتظرون لمعرفة كيف سيتغلب أحدهم على الآخر وربما لم يفهم البعض
ماهية تلك المنافسة ولكنه بانتظار الفائز لا أكثر، حتى هذا الشخص الذي يراقب من بعيد
من تلك النافذة بينما لا أحد يتواصل معه كذلك...
* * * * * * *
ازدادت دقات قلب قلب زياد في الخفقان ومعها شعر باهتزاز
المكان بالكامل والاضطراب حوله كما لو كان المكان يتفاعل معه، بادر خصمه الذي لم
تفارق نظراته إياه بالحديث حيث قال:
-
في أحد
الأراضي الخيالية في العصور الوسطى حيث تنتشر المخلوقات الأسطورية والمحاربين
الأقوياء باختلاف فئاتهم ومهاراتهم حيث وُجِدَت العديد من الممالك التي تمنح
سكانها قوة عناصر الطبيعة حيث انتشرت المعارك بين الناس سواءً للترفيه أو للجد، ومعها
انتشرت الصراعات والخلافات حتى بدأ الناس بِنَشرِ السُبَابِ بينهم لتتسخ معها
ألسنتهم...
تجولَ نيجاتيف في المكان بينما يقترب حينها من رائد الذي
لن يعطيَهُ الأمان مجددًا فيبتعد من أمامه خشية أن يسرقَ شيئًا آخر فيكمل الأول
حكايته قائلًا:
-
وحينها ظهرت امرأة مُسِنَّة لم
يعجبها الوضع المنتشر في الأرجاء حيث ناشدت الناس بترك هذه العادة السيئة لكنهم لم
يهتموا لها، لذلك قررت التصرف وأخذ خطوة للأمام؛ فقامت بإلقاءِ تعويذة في الأرجاء
لتمنع انتشار الألفاظ البذيئة بينهم.
جالَ نيجاتيف بنظره في الأرجاء بينما يعطي نظراتٍ للجميع
ثم أكمل:
-
شعر الجميل
حينها بحدوثِ اختلافٍ بهم لكنهم لم يدكوه إلا عندما قاموا بالشتم؛ حيث تحولَّ
سبابهم إلى نطق اسم تلك المرأة التي اشتهرت به دون السبِّ أو الشتم لذلك حينما
يريد أحدهم قولَ شيءٍ بذيء يخرجُ من فمهِ تلقائيًّا "نيللي العجوز"، ولهذا
السبب كان أكثر ما يتحدث به الناس هو اسمها.
ثم ينظرُ إلى رائد الذي عَمَّهُ القلق ويقول:
-
وأنت ماذا
تريد أن تقول؟
همس رائد:
-
نيللي
العجوز.
نظرَ نيجاتيف إليه بغضب:
-
فقط قُل ما
لديك...
أيقن رائد أنَّ عليه الدور الآن لكنهُ لم يكن مستعدًّا
لذلك؛ فلقد اتفق معه فضولي على قصة لكنها ليست مناسبة لهذا الوضع لذلك وضع يده في
جيبه ثُمَّ غادرَ المكان فيقولُ لهُ نيجاتيف:
-
سأدعك هذه
المرة، لكن في المرة القادمة إن قمت بتكرارها فأنا الفائز...
لكنَّ رائد لم يلتفت لهُ معلنًا بذلكَ موافقته على الشرط
نظرًا لكونه يفتقر لما يقول حيث يشغل تفكيره الآن أمرَ هذه القلادة؛ فكيف سيجدها؟
وأين وضعها خصمه؟ فهو الآن على بُعدِ خطوةٍ واحدة من خسارة تحكمه في الجسد، بل على
وشك حبسه في هذا السجن إلى الأبد...