الاثنين، 7 مارس 2016

unconscious 21

       مِنْ أَمتع اللَحظات حينما تكون برفقة مَنْ تُحب , لحظاتٌ تَتَمني لو أنها تدوم مدى الحياة , تتمنى أن يتجمد الزمن في مكانه وتصبحت أسيرًا لهذا التوقيت ولا يوجد قوة على وجه الارض يمكنها تحريرك منه , لكن ما أَنا عليه الآن عكس ذلك تمامًا فأنا الآن أعيش لحظة أتمنى لو لم أَكُنْ بها قط , فأنا الآن أسير هذه اللحظة التي تشبه صعود الحلزون عموديًا فلا هو يتوقف ولا الوقت يتقدم , انا الآن أمشي مع هذا المُدَعي الذي يقول بأنه هو الرائد الحقيقي , بالطبع لم أُصدق كلامه هذا لكنه أردف بأنه أفضل مني وأنني لست من مستواه وأن هدفه اكبر مني بكثير لكنه متحير من جهلي بتلك الأشياء لذلك أقترح بأن نذهب لمن يؤكد كلامه لذلك انطلقنا إلى الجهة الخلفية من المبنى في ذلك المكان الأشبه بالغابة تحديدًا إلى المكان الذي يُحتجز به عادل.....

      نظرت إليه وهو بمكانه هذا وتذكرت انني لم اغلق الباب آخر مرة لكي احرره مما هو عليه ؛ فَكَونُ ان تكون حبيس هذا المكان في هذا العالم يعني انك لن تشارك في اي إجتماع ولن تستطيع ان تتشارك افكارك في حالة الاستيقاظ وهذا ما حدث معه وما يحدث مع عادل الآن :

-هل ما يقوله صحيح؟ هل هو الرائد الحقيقي؟

      قال بعد لحظاتٍ من الصمت :

-بالطبع لا.

      ثم اردف الآخر:

-وهل هو الأحق بهذا اللقب؟

     توجهت نظرات عادل لأسفل وكأنما يخشى الإجابة على هذا السؤال بينما يضيف بعض الصمت إلى المكان فأقول:

-هل تمزح ام ماذا؟ ايوجد من هو افضل!

-لا تتفاخر يا هذا , دعه يروي لنا ما حدث منذ البداية:

     وبعد فترة من الصمت قرر عادل التحدث اخيرًا:

-يرتبط هذا المكان بولادة هذا الجسد الذي نتشاركه جميعًا والذي تتحكم فيه انت الآن . بعض المشاعر كانت موجودة منذ البداية والبعض الآخر يتكون مع مرور الوقت نتيجة للاحداث او للتغيرات الجسدية . كانت الفوضى تعم المكان في البداية إلى أن اتفق الجميع على يكونوا تحت قيادة شخصٍ ما وقد تم تسميته بالـ"رائد" وهذا يعني بأنه من يتخذ القرار في هذا المكان وذلك حسب الطريقة التي يريدها هو , لذلك تم إنشاء غرفة الاجتماعات كما طلب لكنه لم يرد هذا المنصب وتركه لمن يتفق عليه الاغلبية , وفي هذه اللحظة برز اكثر الناس شهرة بالمكان , الاول شخص يتمتع بثقة نفسٍ عالية وشخصية قوية . . . . وهنا ابتسم هذا الشخص لأوقن على الفور ان عادل يقصده . . . . والثاني هو من يقدم يد العون للجميع . . . . اعتقد بأنه بقصدني الآن . . . . اشتعل فتيل الخلاف بين هذين الإثنين و اصبحا يريدان هذه المكانة لكن الرائد آن ذاك اقترح إقامة نزال بينها ليقررا من سيخلفه لكن الاول قام بوضع القواعد لذلك كان من السهل عليه الفوز آنذاك ليصبح هو الرائد , لكنه لم يدم طويلا بسبب غروره الذي لم يحبذه احد فأقترح الرائد الاسبق اعادة النزال فوافق على الامر لأنه كان مرغمًا لكنه اضاف شرطًا إلى النزال ؛ وهو الرابح سيكون الرائد كما هو الهدف منذ البداية والخاسر سوف يحتجز هنا مع من يؤيده اي انه لا يريد ان يزعجه احد من الاساس وألا يتكرر هذا الامر بعد ذلك , لكن هذه المرة ربح الشخص الآخر بمساعدة الرائد الأسبق وتم حبس الآخر في هذا المكان وكما نعلم جميعًا فهذا الباب لا يمكن ان يفتحه إلا من اغلقه لذلك فقد وقع في شر اعماله وتم احتجازه .

     قلت له بتعجب:

-وهل تريد مني ان اصدق هذه الحكاية الطريفة التى ألفتها توًا؟ هذا لا يعقل , فأنا كنت ومازلت رائد وهذه الاشياء التي قلتها لم تحدث أبدًا فأنا لا اتذكر اي شيٍ مما تحدثت عنه الآن .....

نظرت للشخص الآخر لأقول له:

- ولا أتذكر اي شيء من الاشياء التي اختلقتها انت ايضًا , فهذا المكان اكتشفته منذ مدة قصيرة عن طريق حبات الخرز التي اعطاني ايها العجوز , ولا وجود لما تتحدثون عنه....

    أظهر الآخر عدم الاهتمام وهو يلتفت ليغادر المكان فيقول:

-لا يهمني عَلِمتَ أم لا فأنت في الاصل لست هدفي , فأنا -كما قلت- اسعى لمن هو افضل . . . . .

-ومن هذا الذي تتحدثون عنه؟ من هذا الذي يكون افضل من كليا؟ وما الذي يميزه اكثر من الثقة بالنفس ومساعدة الغير؟

       "المعرفة" قالها عادل مقاطعًا اياي بها ليمنحني مزيداً من الوقت للتفكير , فأقول بعدها :

-فلنفترض ان ما تقوله الآن حقيقة , لماذا إذًا لا اتذكر اي شيء ؟ بل لماذا لا يتذكر اي شخص سواكما كل هذا؟

      اجاب هذا الصوت المألوف من الخلف:

-لأنه تم محو ذاكرتك.....

     وفي تلك اللحظة اشتعل هذا الشخص بالحماسة لأن هدفه قد ظهر له اخيرًا , كما انني اعتدت أن اسمع هذا الصوت بإستمرار لكن لو وضعت احدًا غيره في تلك اللحظة لكنت صدقت ما اراه الآن.....
_____________________________



اتجهت عيناه للاسفل مفكرًا للحظات ثم قام من مكانه ليتوجه إلى الغرفة معي حيث جلست بالقرب من هذا الشخص الذي بدى مختلفًا عما عهدته من قبل فيدخل بعض الحضور من بينهم عادل واخيرًا صاحب العينين اللامعتين فأتوجه إلى من بجانبي فأقول له:
-لقد حضر الجميع , يمكننا ان نبدأ الاجتماع الآن يا رائد . . . .

       وفجأة انطفأت الشاشة عن العمل تاركةً اياي مع العديد من التساؤلات ؛ كيف اقول لي ان اناديه برائد في حين ان رائد هو انا ؟ من هذا الشخص الذي صاحب تلك العيون؟ ولم بدأت الذاكرة في العمل مع دخوله في المرة السابقة؟ ولم بدأت في العمل الآن مع انني وحدي في المكان؟
_____________________________
      مر بخاطري هذا الموقف حينما رأيت نفس الشخص في المكان الخطأ مجددًا فعلى ما يبدو ان هذا الرائد الذي تحدثوا عنه هو من يعرف الآن بـ..... .



             *          *          *          *          *          *          *

       وداخل تلك الاسوار اندفع بعض الجنود كي يبادلوا ادوارهم مع الآخرين ويوجهوا سهامهم نحو الاعداء الذين خُيلَ لهم أن بإستطاعتهم إقتحام هذه الاسوار المنيعة بعدما تم إغلاق البوابة التي تقع اسفلها والتي اُطْلِقَ عليها "الفتوح" لأن يخرج منها الجنود للفتوحات ويدخلوا من البوابة التي بجانبها وهي النصر , وفي الناحية الأُخرى من السور سوف تجد المسجد الذي يتصل به  حيث يمكنك رؤية مساحته الشاسعة من اعلى السور بالاضافة إلى بقية الشارع الذي يمتلىء بالمتاجر التى تبيع تلك البضائع التراثية . . . . مهلًا! ما الذي جاء بهم إلى هنا؟ . . . . يا إلهي , يبدو ان هذا المكان قد نقلني إلى العصر الذي بُنِيَ فيه وانساني العصر الحالي .

       أين انا الآن ؟ في نهاية اطول شارع اثري والذي تم تسميته نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي حيث اقف أعلى بوابة الفتوح لكنني الآن متجه إلى البوابة الاخرى كي اخرج من هذا المكان لكن , لماذا لا اخرج من المكان الذي دخلت منه؟ لأن القاعدة تقول بأنك عندما تمر بالفتوح فلا يجب ان تعود منه , بل يجب ان تعود من النصر , لكن في حقيقة الامر ان العامل قد اغلق الباب لأن وقت الظهيرة قد مر وانا ظننته يمزح بشأن هذا التحذير وأن المخرج بالقرب من الباب الآخر "سامحك الله ايها العامل" . . . . .

      من الرائع ان تزور هذا المكان من الحين إلى الآخر , حيث يمتزج الجمال بالروعة ليتجسدوا في تلك المباني التي تظنها للوهلة الاولى انها مساجد رغم ان فيها المدرسة والحمام العام والمستشفى والمنازل الخاصة والسُبُلْ ؛ فهذا المكان مليٌ بالكثير من الاماكن التاريخية والتى من الصعب زيارتها في يومٌ واحد , لكنني اكتفيت هذا اليوم بهذا القدر ولا امانع في بأكمالهم في يومٍ آخر , فلا يوجد افضل من هذا المكان لكي تتخلص من آلامك فيك ؛ مثل ان تكتشف انك لست الاعلى شأنًا في المكان الوحيد الذي يتمحور حولك في الاساس , فلو لم تكن اهم شخص لدى ذاتك فمن ستكون !

      كان من الصعبِ عليَ تقبل هذه الحقيقة ؛ فمن الوهلة الاولى ظننت أن هذا الامر ليس إلا محض خدعة من هذا الشخص لكن عندما يؤكد لك الآخرون هذا فكأنهم يأخذون المسدس منه ليخترقوا جسدي برصاصاتٍ اضافية , لذلك حاولت نسيان هذه الحقيقة او تجالها لبعض الوقت وعدم التفكير فيها الآن ؛ لأن هذا ليس بالشيء الجيد لذلك حاولت بقدر الإمكان عدم التحدث مع المشاعر لفترة فأنا لا اعلم ماذا افعل الآن . . . . 

      استمر التجاهل طوال طريق العودة لأقف امام هذا الشارع الذي قادني مسبقًا إلى هذا العجوز , لا مانع إن حاولت مجددًا طالما الرمال الحمراءُ معي ولحسن الحظ فأنا احمل مخزونًا إضافيًا هذه المرة , وعلى الفور قُمتُ بصنع ثقبٍ صغير و شَرَعْت في السير متفاديا الطرق التي مررت بها المرة السابقة , حتى بدى لي بعضها مألوفًا من ذلك اليوم فأتمكن اخيرًا من الوصول إلى هذا المكان الذي لطالما وددتُ الولوج إليه , ألا وهو "الخرابة" .
        تلالُ صغيرة من نفايات البلاستيك والمعادن الصدئة والعديد من الاشياء التي لا انصح بمعرفة ما هي و أشياء  لا أنصح بلمسها -ولو حتى بالخطأ- كونها تحتوي على مفاجآتٍ غير سارة مثل الجزران أو الديدان التي لا اعلم فصائلها او تلك الحشرات الغربية الأُخرى . . . .

     بعد العثور على المكان توجب عليَ أن أجد الرجل العجوز فلا سبب لي يدعوني أن آتي إلى هنا إلا لو اردت التخلص من القمامة , فأنا ارغب بالتعرف على تلك الحبات اكثر , بل ولماذا اعطاني اياها في المقام الاول , والاهم من ذلك اين هو الآن؟ فهو لم يكن في تلك البقعة التي تقع اعلى ذلك التلك الاكبر بينهم ولم يكن موجودًا في الامكان الاخرى , لكن لا يهم فلقد عرفت المكان وسوف آتي غداً . . . . 

      سحبتني خطوات قدمي إلى نهاية هذا المكان لأعطيه نظرة أخيرة قبل أن أُغادر وأتذكر أول مرة حين ناداني واقترح عليَ أَنْ آخذ هذه الحبوب ثم اختفى بعدها , التَفَتُّ لأغادر المكان لِأُفَاجأ على الفور بوقوفه امامي دون حراك ,عجزت عن الكلام حينها بينما يعلوا وجهه تلك الإبتسامة البلهاء فتتغير فجأة ثم يصرخ بوجهي صرخة مصتنعة خرج معاه بعض اللعاب :

-عاااااااااااااااااااااااااااااااااا!


-عاااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!


-عاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!

      قلت له محاولًا تمالك نفسي :

-ماذا هُناك ؟ ما الذي حدث!

-إنهُ انتْ , لقد ظهرت أمامي وفاجأتني....

-بل انت من فعل ذلك قبل قليل ! 

-من أنت على اي حال؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟

      قلت له بينما اظهر ما معي:

-لقد جئت بخصوص هذه . . . .

     نظر إلى يدي مطولًا ثم قال بينما يفكر:

-اممممممم . . رمالٌ حمراء , عظيم . . . .

      نظرت إلى يدي لأوقن أنه الجيب الآخر:

-لا مهلًا , اقصد هذه :

      نظر إليها بينما يخرج سيجارة دهسها القطار سبع مرات ليضعها في فمه ثم يشعلها:

-مثيرٌ للاهتمام . . . 

       قُلْتُ لنفسي "وهل يدخن؟" ثم بدأ بالسعال وهو يحاول ان يقول:

-السيجارة الاولى تكون الاصعب كح كح كح لكنني سَأُحَـ كح كح كح .......

       سألتهُ متعجبًا:

-ولماذا ترغب في التدخين ؟

-لزوم الروشنة يا برنس . . . .

-وماذا بشأن هذه ؟

-إنها طريقتي لحل مشكلاتك . . . .

      هذا يعني بأنه مازال يتذكرني وهذا بالشيء الجيد....

-ولكن ما الذي جعلك تعطيني اياها؟

      رفع يمناه ليشكل بها علامة النصر ثم قال:

-سببان . . الاول : لأنني الوحيد من يصنع هذه الحبات , والثاني : لأنك تأتي إلييَ بإستمرار لتحصل عليها . . . .

-هذه ثاني مرة آتي إلى هنا , فكيف تقول بإستمرار . . . .

      إرتسمت إبتسامة على وجهه لطالما عهدتها على نادر حينما يريد إخفاء شيءً عني , او انه يرغب بأن ابحث عن الجواب بنفسي ؛ فهو يقول لي هذا الآن بهذه الابتسامة ثم يقذف بهذا الكيس في الهواء ليعطيني اياه وعلى ما يبدو من صوت الخشخشة الذي يصدره انه يعطيني المزيد من الحبات , ثم يتركني ويذهب ببضع خطوات فأهم انا الآخر بالمغادرة ليستوقفني بسؤال فيقول:

-هل تعلم ما هو الـ"لا وعي" ؟

-هو توقف إرسال الإشارات من الحواس إلي المخ , كأن يُفْصل عن العالم الخارج فيكون غير واعيٍ بما حوله ؛ فهنا نطلق عليه لا وعي . . . . 

        ضحك لثوانٍ معدودة كأنما شعر بتفاهة الإجابة ثم اردف " لست سيءً" كأطراء , وبينما اتفقد الحبات الجديدة سألته عن اسمه فلم يجب , فنظرت إليه ولم أجده كالمرة السابقة فأكملت خطواتي لأجده يصرخ من الخلف فيفزعني ثم يضحك بشدة بينما انا التقط انفاسي لأصرخ به؟

-ماذا بك يا هذا؟

-ها ها ها ها ها ها انا "الحكيم" ها ها ها ها ها . . . .

-وما الذي يجعلك كذلك؟

-لا هذه ليست صفة , إنما هو اسمي , انا ادعى حكيم . . . .

       وبينما التقطت أنفاسي وأسمع ضحكاته التي تختفي تدريجيًا فألتفت إليه واقول:

-عاشت الاسامـ . . .

      فأكتشف انه قد فعلها مجددًا واختفى فأهرول بعيدًا عن هذا المكان-إلى المنزل- لأنني  -لا ارغب بمفاجآته تلك مجددًا فأنا لا ينقصني حكيم لأقلق بشأنه . . . .

     أَسرعت بالعودة إلى المنزل وقد خارت قواي واصبحت غير قادر على الحركة ولا اريد شيءً من هذا العالم إلا سريري العزيز , ولا مانع في أخذ الحبة الآن فلدي العديد من الاسئلة التي اوجهها لأحدهم , فعادل يقول ان الشخص الثالث هو انا , و الشخص الثاني هو الذي يعرفني ولا اعرف , وبينما الشخص الاول الذي يقول بأنني فقدت ذاكرتي هو ما نعرفه الآن بإسم "فضولي" . . . . .